
السودان بعيون افريكوم… بين الوقائع والتوقعات
إسماعيل شريف
لم يكن اسم السودان حاضرًا في التصريحات العلنية المصاحبة لزيارة الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM)، إلى العاصمة الصومالية مقديشو، لكن ذلك لا يعني أن السودان غائب عن حسابات المؤسسة العسكرية الأمريكية. فطبيعة عمل القيادة الأمريكية في إفريقيا تقوم على النظر إلى القارة باعتبارها مسرحًا أمنيًا مترابطًا، تتداخل فيه الأزمات وتتجاوز آثارها حدود الدول.
وقد أثبتت الحرب السودانية منذ اندلاعها أنها لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل تحولت إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد أمنية وإنسانية وجيوسياسية. فقد ألقت بظلالها على أمن البحر الأحمر، وحركة النزوح إلى دول الجوار، وأوضاع الحدود مع مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، كما أصبحت محل اهتمام متزايد من القوى الدولية والإقليمية التي تنظر إلى السودان باعتباره أحد أهم مفاتيح الاستقرار في القرن الإفريقي.
وفي المقابل، تركز الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على أولويات واضحة في القارة الإفريقية، تشمل مكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الشراكات العسكرية، ومواجهة تنامي نفوذ القوى الدولية المنافسة. وفي ضوء هذه الأولويات، يبدو من الصعب تصور أن يكون السودان خارج دائرة الاهتمام الأمريكي، حتى وإن لم يكن محورًا معلنًا في الزيارات أو التصريحات الرسمية.
ومن الزوايا التي تستحق التوقف عندها خريطة تحركات الجنرال داغفين أندرسون منذ توليه قيادة افريكوم. فقد شملت جولاته جيبوتي، والصومال، وكينيا، وإثيوبيا، ثم الجزائر وأنغولا، وهي دول تمثل أقاليم النفوذ الرئيسية التي تركز عليها الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا. والمثير للاهتمام أن السودان لم يكن ضمن هذه المحطات، رغم أنه يعيش واحدة من أكبر الأزمات الأمنية والإنسانية في القارة.
لكن هذا الغياب لا ينبغي تفسيره باعتباره تراجعًا في الاهتمام الأمريكي بالسودان، بل ربما يعكس أسلوبًا مختلفًا في إدارة الملف. فالولايات المتحدة قد تفضل متابعة التطورات السودانية عبر دول الجوار والشركاء الإقليميين، خاصة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والعسكرية والاستخباراتية. ومن هذا المنظور، فإن الزيارات إلى جيبوتي، والصومال، وكينيا، وإثيوبيا لا تنفصل بالضرورة عن المشهد السوداني، بل قد تكون جزءًا من رؤية إقليمية أوسع تُدار فيها ملفات الأمن بصورة مترابطة.
ومن هنا يبرز السؤال كيف تنظر افريكوم إلى السودان؟
الاحتمال الأول أن السودان يُنظر إليه باعتباره مصدرًا محتملاً لعدم الاستقرار الإقليمي إذا طال أمد الحرب، بما قد يخلق فراغات أمنية تستغلها الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والجريمة المنظمة.
والاحتمال الثاني أن الموقع الجغرافي للسودان، المطل على البحر الأحمر والمحاط بسبع دول، يجعله عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي، بحيث تنعكس أي تحولات داخلية فيه على توازنات المنطقة بأكملها.
أما الاحتمال الثالث، فهو أن القيادة الأمريكية تراقب عن كثب حجم الحضور العسكري والسياسي للقوى الإقليمية والدولية داخل السودان، باعتبار أن الصراع لم يعد قضية داخلية خالصة، وإنما أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح وتنافسات إقليمية ودولية.
ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الوقائع والاستنتاجات. فلا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على توجه أمريكي نحو تدخل عسكري مباشر في السودان، كما لا توجد تصريحات رسمية تربط زيارة الجنرال أندرسون إلى الصومال بالملف السوداني. غير أن غياب التصريحات لا يعني غياب المتابعة، خاصة في مؤسسة عسكرية تعتمد في تقديراتها على قراءة المشهد الإقليمي كوحدة مترابطة.
لذلك، تبدو القراءة الأكثر اتزانًا هي أن السودان حاضر في حسابات AFRICOM، ليس باعتباره هدفًا عسكريًا، وإنما باعتباره متغيرًا مؤثرًا في معادلة الأمن الإفريقي والبحر الأحمر. وكلما طال أمد الحرب، واتسعت تداعياتها خارج الحدود، ازدادت أهمية السودان في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
ويبقى السؤال مفتوحًا هل سيظل الدور الأمريكي مقتصرًا على المتابعة وإدارة الأزمة عبر الشركاء الإقليميين، أم أن تطورات المرحلة المقبلة قد تدفع واشنطن إلى مقاربة أكثر انخراطًا في الملف السوداني؟
الإجابة لن تحددها زيارة واحدة، وإنما ستكشفها مسارات الحرب، والتحولات الإقليمية، وكيف ستعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها في إفريقيا، في ظل بيئة استراتيجية تتغير بوتيرة متسارعة.











