الاخبار

عزمي عبد الرازق يكتب : كيف نجت أبقار أسامة داوود في ملاعب الجولف

خرطوم سبورت

 

عزمي عبد الرازق يكتب : كيف نجت أبقار أسامة داوود في ملاعب الجولف

حكاية إمبراطور الدقيق.. كيف نجت أبقار أسامة داوود في ملاعب الجولف بينما سرق “الجنجويد” آلاف قطعان الماشية من ولاية الجزيرة؟

عزمي عبد الرازق
في مطلع العام 2013م، بدأت نُذُر أزمة الخبز تلوح في الأفق، كان أسامة داوود حينها يستأثر بامتيازات استثنائية، وعلى رأسها حصة “دولار القمح المدعوم”، بالسعر التشجيعي. حاول وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الأسبق، بدر الدين محمود، كسر هذا الاحتكار عبر طرح عطاءٍ عالمي تستورد بموجبه الحكومة القمح وتوزعه على المطاحن لعلاج الأزمة، لكن إمبراطور الدقيق لم يتقبل تغيير قواعد اللعبة، وأطلق مقولته التهديدية الشهيرة: “بدل أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع، سيذهبون إلى صفوف الخبز!”
لم يكتفِ بالتهديد، وإنما نفّذ وعيده بالانسحاب والتوقف لنحو نصف عام، كما لو أنه يراهن على تجويع الشارع ودفعه لمواجهة الحكومة. بيد أن المفاجأة تمثلت في أن السوق لم يتهدم بغيابه، مضت الأمور بصورة طبيعية منسابة، وعندها أدرك الرجل أنه أحرق ورقة التهديد الأخيرة التي ظل يلوح بها، لو شئت يمكنك تسميتها بورقة الابتزاز.. المهم أنه قرر العودة، وسرعان ما نشطت خطوط الوساطة الثقيلة لصالحه، من الفريق بكري حسن صالح، إلى مدير المخابرات محمد عطا، والفريق عبد الرحيم محمد حسين، وصولاً إلى مظلة الحماية الشاملة التي حظي بها من الفريق صلاح قوش لاحقاً. لطالما كان الرجل صديقاً أثيرياً للجنرالات، رغم أن الآلة الإعلامية والسياسية المحيطة به كانت تُحرّك الإضرابات وتناهض “حكم العسكر”.. في تناقض صارخ يجسد السريالية السياسية السودانية!
إمبراطورية في ركاب السلطة
استفاد أسامة داوود من نظام “الإنقاذ” بصورة لم يحقق ربعها عرّاب النظام نفسه، الراحل د. حسن الترابي. بلغ من الثراء شأواً استثنائياً، ونفذ إلى درة تاج المال والنفوذ، على طريقة “عائلة روتشيلد” في الغرب الرأسمالي. وفي وقت وجيز، وعلى نحوٍ دراماتيكي، شيد إمبراطوريته العاتية: (دال للسيارات، دال الهندسية، دال للصناعات الغذائية، دال للتنمية العقارية، دال للخدمات الزراعية والدوائية، سيقا، كابو، أوزون، شركة الهواء السائل، ومدارس كيكس الدولية)، وكان أيضاً على وشك شراء حصة شركة زين في السودان، بعرض قيمته 1.3 مليار دولار، وذلك عبر شركة إنفيكتوس القابضة المحدودة. يالها من قفزات هائلة لرجل بدأ ببيع الجرارات، ولم يرث من والده كل هذا، كما ورث سليمان داود! لكن هنا بالطبع، لا يمكن لوم أسامة على طموحه وفهلوته التجارية، وإنما يقع اللوم على البيئة السياسية التي صنعته، فرشت أمامه البساط الأحمر، حاربت معه المنافسين، ووفرت له الممرات الآمنة دون أن يرهق نفسه حتى بسؤال الفنان النور الجيلاني: “بي وين السكة يا إنتٓ؟”.
أبقار الجولف وقطعان الجزيرة
عندما اندلعت الحرب التي ظلت عائلة دقلو تُعد لها العتاد حتى خنقت العاصمة والولايات بمدججي السلاح—احترقت البلاد بمن فيها— لكن أسامة داوود كان أقل المنافسين كلفة وخسارة. عاد إلى المشهد بسرعة قياسية، فرأينا سيارات “كابو” تجوب مناطق سيطرة الجيش، قمحاً ووعداً وزبادي، وهذا يحيلني إلى تقرير ثري بالمعلومات نشره موقع “أفريكا انتليجنس” تحت عنوان: أسامة داود يزدهر في أرض مزقتها الحرب.
بالطبع لم تتوقف عجائب الساحة عند هذا الحد، بل نجت مئات الأبقار التابعة لإمبراطوريته وهي ترعى في ملاعب الجولف جنوب الخرطوم—أشد مناطق تمركز المليشيا ضراوة—وكأنها ترعى في أمان تام لا تخشى سوى الذئاب، دون أن تروعها حتى أصوات المدافع! في المقابل—وفي مفارقة لا يمكن أن تُعزى للصدفة—كان جنود وحلفاء حميدتي ينهبون آلاف قطعان الماشية من مزارعي ولايتي الجزيرة والبطانة، وينقلونها على متن الشاحنات الضخمة نحو دارفور! ولعل أسامة—حتى لا نظلمه—كان يحوط أصوله، ويحصن أسواره بقراءة سورة يس وأوارد الصباح والمساء.
صحيح أن الرجل تضرر كغيره وخسر بسبب الحرب، لكنه في المقابل كسب مساحات جديدة للنفوذ. وتتجلى معادلة “النجاح السهل” واختراق دوائر القرار في ظهوره الاستثنائي مع رئيس الوزراء المعين كامل إدريس، منفرداً بالمرمى كدأبه، دون أن يصطحب معه أيًا من منافسيه في سوق الطحن والغذاء لعرض مشاكلهم كمطاحن (روتانا، ويتا، سين، الحمامة، أو القمح الذهبي.. ألخ)، ليقف وحده شاكياً من طواحين الهواء.
ثمة معلومة مهمة، لها علاقة بالجدل الدائر عن هذه العودة، إذ بلغت مديونية رئيس مجلس إدارة مجموعة “دال” نحو 250 مليون دولار لدى البنوك السودانية. فهل تغطي أصوله العقارية والمنقولة داخل السودان هذه الفاتورة الثقيلة؟ وحتى إن كانت الإجابة بنعم، فما هي القيمة المضافة الحقيقية التي قدمها هذا النمط الاستثماري للاقتصاد الوطني؟ سيما وأن عملية استيراد القمح وطحنه وتوزيعه لا تعدو كونها تجارة استهلاكية، إذ تفرض الدولة رسوماً جمركية بنسبة 3% فقط على القمح الخام وتُعفيه من الضرائب، بينما تُثقل كاهل الدقيق المصنع بنسب تتجاوز 40%، وبذلك شجعنا يا سادة نمطاً استهلاكياً طفيلياً وفشلنا في تشجيع زراعة الدخن والذرة لنحقق شعار “نأكل مما نزرع”، أو نصدر على الأقل.
سأتوقف عند هذه المحطة الشائكة، لأغوص في الحلقة القادمة داخل دهاليز ملف ميناء “أبو عمامة”.. الجمرة الحقيقية التي أشعلت نيران الحرب من خلف الستار!
نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى