الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : الجميل الفاضل… كاتب أم مستكتب؟

خرطوم سبورت

 

 

الجميل الفاضل… كاتب أم مستكتب؟

اسماعيل شريف

ثمة كتّاب يكتبون عن الأحداث، وثمة كتّاب يجعلون الأحداث تكتب نفسها من خلالهم. والجميل الفاضل، في تقديري، ينتمي إلى الصنف الثاني. ولهذا ربما يبدو السؤال «الجميل الفاضل… كاتب أم مستكتب؟» أكثر من مجرد عنوان طريف. إنه سؤال عن طبيعة الكتابة نفسها هل الكاتب هو الذي يستدعي الفكرة، أم أن الفكرة هي التي تستدعي الكاتب؟

قراءة عدد من كتاباته المنشورة خلال السنوات الأخيرة تكشف أن الرجل لا يتعامل مع الحدث السياسي بوصفه خبراً مكتفياً بذاته. ففي كتاباته عن الحرب والثورة والهوية والسودان الجديد، يتحول الحدث عنده إلى باب يدخل منه إلى أسئلة أوسع من نحن؟ ماذا حدث للسودان؟ لماذا تتكرر أزماته؟ وإلى أين يقود التاريخ هذا البلد؟ وهنا تكمن خصوصية الجميل الفاضل. فهو لا يكتب السياسة بالطريقة التي تكتب بها نشرات الأخبار، ولا يتعامل معها باعتبارها مجرد أسماء ومواقع وتصريحات وموازين قوى. إنه يحاول دائماً أن يبحث عن «ما وراء الحدث». فالحرب عنده ليست فقط معركة بين طرفين، بل مرآة تكشف ما في المجتمع من تشققات؛ والهوية ليست بطاقة تعريف، وإنما سؤال تاريخي ووجودي؛ والسودان ليس مجرد جغرافيا، بل كائن غامض يحاول الكاتب أن يستنطق ذاكرته وأقداره وأسئلته. وهذا ظاهر بوضوح في كتابات مثل «شعب ذو وجهين»، و«السودان الجديد لن يوجد منفرداً في الطبيعة»، و«من داخل آبار نفوسنا، من هنا نبدأ؟».

الجميل كاتب لا يحب أن يقف عند الباب

الجميل الفاضل لا يقف كثيراً عند عتبة الخبر. الخبر عنده مجرد باب. يدخل منه إلى التاريخ، ثم إلى النفس، ثم إلى الهوية، ثم إلى سؤال المصير. وهذه الرحلة هي سر جاذبية كتابته، وهي في الوقت نفسه مصدر الجدل حولها. فهو يستخدم لغة ذات كثافة عالية، ويستدعي القرآن والشعر والأسطورة والتاريخ والرموز والأرقام، ويمنح الأشياء أحياناً أكثر من معناها المباشر. وفي بعض كتاباته الحديثة، يصبح الرقم نفسه شخصية، والجبل رمزاً، والسودان كائناً له ذاكرة ومصير. ولهذا لا يمكن قراءة نصه دائماً بعين الصحفي الذي يبحث عن «من قال ماذا؟». الأدق أن نقرأه بعين قارئ المقالة الفكرية التي تستخدم السياسة مادة أولى، ثم تعيد تشكيلها داخل رؤية أوسع.

من الصحافة إلى التأويل

وهنا يأتي نصه الأخير «سؤال المبتدأ جواب الخبر… وهل أنا الذي يكتب؟» هذا النص يكشف شيئاً مهماً عن صاحبه. فالكاتب هنا لا يتحدث فقط عن كيفية كتابة الخبر، بل عن أخلاق الكتابة. يسأل عن الأنا. عن المصلحة. عن الانتماء. عن الحدس. عن الظل الذي يتركه الحدث خلفه. وعن الفارق بين أن ترى الواقعة وأن تبصر معناها. إنه، في الحقيقة، يكتب بياناً شخصياً لطريقته في النظر. ولذلك تبدو عبارته عن «حركة الأرواح والظلال» مفتاحاً لفهم جزء كبير من مشروعه الكتابي: هو لا يكتفي بما يظهر، بل يفتش عما يحرك الظاهر. وهذا ما يفسر انتقاله المتكرر من السياسة إلى ما وراء السياسة. لكن… هل هذه ميزة دائماً؟ هنا ينبغي ألا تتحول القراءة إلى مديح مجاني. فالكتابة التي تذهب بعيداً في الرمز والتأويل معرضة دائماً لخطر أن يصبح التأويل أقوى من الدليل. والحدس، مهما كان ذكياً، لا يغني عن التثبت. واللغة الجميلة لا تجعل الفكرة صحيحة بالضرورة. وهذه ليست ملاحظة عابرة؛ فقد ظهرت بالفعل قراءات نقدية لبعض كتاباته رأت في بعض النصوص غلبة للإنشاء والرمزية على التحليل الجيوسياسي المباشر. لكن الجميل الفاضل نفسه يبدو واعياً بهذه المعضلة في النص الذي بين أيدينا حين يستدعي «ميزان سليمان» ويضع البصيرة أمام سؤال الصدق والكذب. وهنا تكمن المفارقة الجميلة فالكاتب الذي يدعو إلى الحدس، يحذر من الوهم. والذي يريد رؤية ما وراء الخبر، يعرف أن عليه ألا يفقد الخبر نفسه.

مستكتب… ولكن من؟

إذا كان لا بد من استخدام كلمة «مستكتب»، فأنا أفضل أن نقلب معناها. الجميل الفاضل ليس، في ما توحي به كتاباته المنشورة، «مستكتباً» بالمعنى الذي يجعل الكاتب أداة في يد جهة تملي عليه ما يقول. بل ربما هو مستكتب من السودان نفسه. السودان يستكتبه. الحرب تستكتبه. الهوية تستكتبه. الذاكرة تستكتبه. والأسئلة التي لم تجد إجاباتها منذ الاستقلال تستكتبه. حتى الجغرافيا السودانية حاضرة في نصوصه بوصفها أكثر من مكان؛ الجبال والغرب والشمال والشرق والنيل تتحول إلى مفاتيح لقراءة وطن شديد التعقيد. وفي بعض كتاباته الحديثة، يظهر هذا الانشغال بوضوح في حديثه عن جبل البركل والتاكا وجبل مرة، وفي أسئلته حول الهوية ومستقبل السودان.

وهكذا يصبح الكاتب، أقل حرية مما يبدو. فهو يكتب لأنه مأخوذ بسؤال. والكاتب الحقيقي ربما لا يختار دائماً موضوعاته؛ بعض الموضوعات تختاره.

الجميل الفاضل… مشروع أكثر منه أسلوباً

قد نختلف معه في بعض تأويلاته. قد نرى أحياناً أن لغته تذهب أبعد مما تحتمل الوقائع. وقد نتفق معه في نص، ونختلف معه بشدة في نص آخر. لكن يصعب إنكار أن هناك مشروعاً كتابياً يتشكل عبر هذه النصوص. مشروع يبحث عن السودان العميق خلف السودان الظاهر. عن الإنسان خلف السياسي. عن التاريخ خلف الحدث. وعن السؤال خلف الإجابة. وهذا يفسر أيضاً لماذا لا تتشابه عناوينه مع العناوين الصحفية التقليدية. فهي غالباً أسئلة، ومفارقات، واستعارات، وأبواب مفتوحة على التأويل: «شعب ذو وجهين»، «السودان الجديد»، «من داخل آبار نفوسنا»، «بين جيل النقص وجيل التمام»، «السودان يسبح عارياً في بحر ماء الغيب»… وهي عناوين تكشف منذ البداية أن الكاتب لا يريد أن يقدم لك خبراً، بل يريد أن يدفعك إلى طريقة معينة في النظر.

والجميل في «الجميل»

ربما أجمل ما في تجربته أنه لا يتعامل مع الكتابة كوظيفة فقط. إنها عنده حالة اشتباك مع السودان. يكتب عنه لأنه لم يستطع أن يخرج منه، حتى وهو يحاول أن يراه من خارجه. وهذا هو معنى «المستكتب» الذي أراه مناسباً له ليس من يستكتبونه ليقول ما يريدون. بل من يستكتبُه وطنه ليقول ما يعجز الوطن عن قوله عن نفسه. وهنا نعود إلى سؤاله هو «وهل أنا الذي يكتب؟» ربما لا. ربما يكتب التاريخ حين يضيق بالناس. وتكتب الحرب حين تعجز البيانات عن تفسيرها. وتكتب الهوية حين يصبح الاسم نفسه موضع سؤال. ويكتب السودان حين تتراكم الأسئلة ولا تجد من يحملها. أما الكاتب، فما عليه إلا أن يصغي. ثم يكتب.

الجميل الفاضل كاتب، بالتأكيد.

لكن وصفه بأنه «كاتب» وحده لا يكفي. هو صحفي حين يحتاج إلى الخبر، ومحلل حين تستدعي الواقعة التحليل، ومثقف حين يتسع السؤال، وشاعر نثر حين تضيق اللغة المباشرة عن حمل الفكرة. وقد يكون «مستكتباً» بالفعل… لكن من السودان. والفرق كبير. فالكاتب الذي تستكتبه جهة، قد يكتب ما يُطلب منه. أما الكاتب الذي يستكتبه وطنه، فقد يجد نفسه مضطراً إلى الكتابة حتى عندما لا يريد. وربما لهذا لا تكون المسألة في النهاية …هل الجميل الفاضل كاتب أم مستكتب؟ بل من الذي يستكتب الجميل الفاضل والإجابة، إذا صدقت القراءة، قد تكون …السودان نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى