
محاولة البحث عن المشروع السوداني الممكن
إسماعيل شريف
في المقال الأول حاولنا تفكيك عناصر الصراع السوداني، والخروج من الصورة المبسطة التي تختزل الحرب في الجيش والدعم السريع. وفي المقال الثاني انتقلنا خطوة أخرى، من الأسماء إلى المشاريع، وحاولنا إعادة تركيب الخريطة السياسية على أساس الأفكار والمصالح لا على أساس اللافتات والتنظيمات. لكن التفكيك وإعادة التركيب لا يكتملان من دون سؤال ثالث، وربما هو الأصعب من يستطيع أن يلتقي مع من؟
فالسودان لا يحتاج فقط إلى معرفة من يختلف مع من، وإنما يحتاج إلى اكتشاف المساحات التي يمكن أن يلتقي فيها المختلفون، والتعرف في الوقت نفسه على التناقضات التي تجعل بعض المشاريع عصية على الجمع. من التحالف إلى التعايش أحد أخطر الأخطاء في قراءة السياسة السودانية هو افتراض أن من يقفون في الخندق نفسه يملكون بالضرورة المشروع نفسه.
الحرب صنعت تحالفات لم تكن لتنشأ في الظروف الطبيعية، وجمعت قوى مختلفة تحت ضغط الخطر المشترك. لكن انتهاء الحرب سيعيد كل طرف إلى أسئلته الأصلية من يحكم؟ كيف يحكم؟ ما شكل الدولة؟ ما حدود المركز والأقاليم ما موقع الجيش؟ ومن يملك السلاح؟ وكيف توزع الثروة؟ وهنا ستظهر حقيقة مهمة: قد يكون التعايش أسهل من الاندماج، وقد يكون الاتفاق على قواعد اللعبة أهم من الاتفاق على هوية اللاعبين. ليس مطلوبًا أن يتحول الإسلاميون إلى يسار، ولا أن تتحول الأحزاب التقليدية إلى أحزاب ثورية، ولا أن تتخلى القوى الحديثة عن أفكارها. المطلوب هو أن تتفق القوى المختلفة على قواعد تمنع أي طرف من احتكار الدولة.
الجيش والسياسة
أكبر اختبار لأي تسوية سودانية سيبقى هو العلاقة بين الجيش والسياسة. هناك قوى ترى أن الجيش يجب أن يعود إلى ثكناته، وقوى أخرى ترى أن المؤسسة العسكرية جزء أصيل من الدولة ولا يمكن تجاوزها، بينما توجد قوى مسلحة وحركات ترى أن إعادة بناء المؤسسة العسكرية نفسها يجب أن تكون جزءًا من عملية سياسية وأمنية شاملة. هذه المواقف تبدو متناقضة، لكنها ليست بالضرورة غير قابلة للتقريب.
فالحد الأدنى الممكن قد يكون الاتفاق على: جيش وطني واحد، مهني، غير حزبي، يخضع للسلطة السياسية المدنية، مع ترتيبات واضحة لدمج وتسريح وإعادة هيكلة القوات المسلحة والمجموعات المسلحة. المشكلة ليست في اختلاف الرؤى حول الجيش، وإنما في أن يحتفظ أي طرف بحق امتلاك قوة عسكرية مستقلة عن الدولة. الإسلاميون والقوى المدنية كذلك لا يمكن بناء مستقبل السودان بتجاهل التيار الإسلامي، كما لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بإعادة إنتاج تجربة الحكم التي قسمت المجتمع والدولة. المطلوب هنا ليس سؤالًا من نوع: من ينتصر؟ بل سؤال أكثر نضجًا: هل يستطيع الإسلاميون أن يتحولوا من مشروع للسيطرة على الدولة إلى تيار سياسي يعمل داخل دولة يتساوى فيها الجميع؟ وفي المقابل هل تستطيع القوى المدنية أن تتعامل مع التيار الإسلامي باعتباره مكونًا اجتماعيًا وسياسيًا لا يمكن محوه بقرار سياسي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهناك مساحة واسعة للتعايش السياسي. أما إذا أصر طرف على الإقصاء، وأصر الطرف الآخر على استعادة الدولة عبر السيطرة عليها، فإن الصراع سيعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة. الأحزاب التقليدية والقوى الجديدة..بين الأحزاب التاريخية والقوى التي أفرزتها ثورة ديسمبر مساحة يمكن أن تكون أوسع مما تبدو. الأمة والاتحادي وغيرهما يملكون امتدادًا اجتماعيًا وتاريخًا سياسيًا، بينما تمتلك القوى الجديدة طاقة شبابية وأفكارًا تتصل بإعادة بناء الدولة والمؤسسات. لكن الجمع بين الطرفين لن يكون عبر إلغاء أحدهما للآخر. الأحزاب التقليدية تحتاج إلى التجديد. والقوى الجديدة تحتاج إلى التنظيم. الأولى تحتاج إلى تجاوز الزعامات التاريخية. والثانية تحتاج إلى تجاوز هشاشة البنية السياسية. وقد يكون المستقبل لحركة سياسية جديدة تستفيد من الامتداد الاجتماعي للأحزاب القديمة، والطاقة التغييرية للقوى الجديدة.
المركز والأقاليم
ربما يكون هذا هو الملف الأكثر قابلية لصناعة توافق وطني واسع. فمن الصعب العثور على سوداني يرفض العدالة في توزيع السلطة والثروة والخدمات. الخلاف الحقيقي يبدأ عند السؤال: كيف؟ الفيدرالية؟ الحكم الإقليمي ..اللامركزية؟ تقاسم الثروة؟ ضمانات دستورية ..سلطات حقيقية للأقاليم هذه ليست تفاصيل فنية، وإنما جوهر الأزمة السودانية. ولذلك فإن أي دستور جديد لا يعالج العلاقة بين المركز والأقاليم بصورة واضحة سيترك الباب مفتوحًا أمام إعادة إنتاج الحرب.
المجتمع قبل النخب
لكن هناك طرفًا غاب طويلًا عن طاولات السياسة، رغم أنه يدفع الثمن الأكبر المجتمع السوداني. النازح يريد العودة. المزارع يريد أرضه. التاجر يريد سوقًا آمنًا. المعلم يريد مدرسة وراتبًا. الطبيب يريد مستشفى يعمل. الشاب يريد وظيفة. والمرأة تريد أن تعيش وأسرتها دون خوف. هذه ليست مطالب أيديولوجية. إنها الحد الأدنى من العقد الاجتماعي. ولهذا فإن المشروع السياسي الذي لا يبدأ من حياة الناس اليومية سيظل مشروع نخبة، مهما كانت قوة شعاراته.
أين يمكن أن نلتقي؟
إذا أزلنا الأسماء والشعارات، يمكن اكتشاف مساحة مشتركة واسعة وحدة السودان. رفض التقسيم. دولة القانون. جيش وطني واحد. توزيع أكثر عدالة للسلطة والثروة. تنمية الأقاليم. عودة النازحين واللاجئين. العدالة والمحاسبة. انتخابات حرة. تداول سلمي للسلطة. حماية الحريات العامة. هذه ليست مشروع حزب بعينه. إنها يمكن أن تكون أرضية مشروع وطني. لكن الوصول إليها يتطلب الاعتراف بأن السودان لن يصبح دولة ديمقراطية بإقصاء نصف المجتمع، ولن يصبح دولة مستقرة بإبقاء السلاح خارج مؤسساتها، ولن يصبح دولة موحدة بإبقاء الأقاليم في موقع التابع للمركز. التناقضات التي لا يمكن تجاوزها ومع ذلك، ليست كل الخلافات قابلة للتسوية. هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في أي مشروع وطني لا يمكن الجمع بين الديمقراطية واحتكار السلطة بالقوة. ولا بين الدولة ووجود جيوش مستقلة عنها. ولا بين العدالة والمحاسبة وبين الإفلات الكامل من المسؤولية عن الجرائم. ولا بين المواطنة المتساوية وبين التمييز على أساس العرق أو الجهة أو الدين. ولا بين الدولة الوطنية وبين تحويلها إلى ساحة نفوذ خارجي. هنا تحديدًا ينبغي أن يكون الحوار صريحًا. التوافق لا يعني التسوية في كل شيء. فبعض الاختلافات طبيعية، وبعضها يمكن إدارته، وبعضها يمثل تهديدًا مباشرًا للدولة. من يستطيع الجلوس مع من؟ ربما يكون السؤال الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة هو هل يستطيع الإسلاميون الجلوس مع المدنيين؟ هل تستطيع الأحزاب التقليدية الجلوس مع القوى الجديدة؟ هل تستطيع الحركات المسلحة التحول من حركات تحمل السلاح إلى قوى سياسية كاملة الحقوق والواجبات؟ هل يستطيع العسكريون قبول التداول السياسي.. هل تستطيع القوى المدنية قبول وجود المؤسسة العسكرية داخل معادلة الدولة دون أن تكون فوق الدولة؟ وهل يستطيع الجميع الجلوس معًا من دون أن يبدأ الحوار بشرط أنا أولًا؟ هذه الأسئلة أهم من أسماء التحالفات التي تتغير كل يوم. فالمشهد السياسي السوداني يشهد بالفعل محاولات جديدة لتشكيل أطر وتحالفات مدنية وسياسية، بما يعكس استمرار البحث عن صيغة تتجاوز الاستقطاب الحالي.
بعد الحرب… تبدأ المعركة الحقيقية
قد تنتهي الحرب العسكرية بتسوية أو بانتصار طرف أو بتوازن جديد للقوة. لكن ذلك لن يعني أن السودان وجد طريقه إلى السلام. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما تتحول البنادق إلى سياسة، والمصالح إلى برامج، والهويات المتصارعة إلى مواطنة، والمركز والأطراف إلى شركاء في دولة واحدة.
السودان لا يحتاج إلى مشروع ينتصر على المشاريع الأخرى، بقدر ما يحتاج إلى مشروع يستطيع استيعابها. مشروع لا يلغي الإسلاميين، ولا يسلم لهم الدولة. لا يلغي الأحزاب التقليدية، ولا يتركها أسيرة الماضي. لا يلغي القوى الثورية، ولا يسمح لها باحتكار تعريف المستقبل. لا يلغي الحركات المسلحة، ولا يقبل استمرار السلاح خارج الدولة. ولا يجعل الجيش خصمًا للدولة، ولا يجعل الدولة تابعة للجيش.
في المقال الأول فككنا الخريطة. وفي الثاني حاولنا إعادة تركيبها. وفي هذا المقال بحثنا عن نقاط الالتقاء. والنتيجة ربما تكون أن المشكلة السودانية ليست في كثرة السودانيين، ولا في اختلافهم، وإنما في عجزهم التاريخي عن إدارة اختلافهم داخل دولة واحدة. السودان ليس بحاجة إلى سودانيين متشابهين. بل إلى دولة تتسع للسودانيين المختلفين. وهنا تكمن المعركة الحقيقية ليست معركة من يحكم السودان فقط، وإنما أي سودان نريد أن نحكم فإذا كانت الإجابة دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والعدالة، فإن الطريق إليها يمكن أن يجمع أطرافًا تبدو اليوم متباعدة. أما إذا كان الهدف مجرد استبدال طرف بطرف، أو استبدال نخبة بأخرى، أو انتصار معسكر على معسكر، فإن الحرب ربما تتوقف… لكن الصراع لن ينتهي. وربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم في هذه السلسلة كلها: لا مستقبل للسودان إذا ظل السؤال: من ينتصر والسؤال الذي ينبغي أن يبدأ به المستقبل هو كيف ينتصر السودان؟











