الاخبار

واشنطن وأديس أبابا… هل بدأت الهندسة العكسية؟

خرطوم سبورت

 

واشنطن وأديس أبابا… هل بدأت الهندسة العكسية؟

إسماعيل شريف

لم يكن توقيع «اتفاقية مكة» في السابع من أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق دفاعي جديد؛ فقد نص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، في إشارة واضحة إلى انتقال الأمن الإقليمي إلى مرحلة جديدة من بناء ترتيبات دفاعية أكثر استقلالًا.

وقتها طرحنا سؤالًا بدا أبعد من نص الاتفاق: من يقف في الجهة الأخرى؟ ولم يكن المقصود افتراض قيام حلف مضاد مكتمل، وإنما احتمال أن تدفع هذه الهندسة الجديدة قوى أخرى إلى بناء ترتيبات موازية أو مقابلة لها.

واليوم تأتي خطوة إثيوبيا والولايات المتحدة لتضيف قطعة مهمة إلى هذه الصورة.

في 19 و20 أغسطس، أجرى وفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى مباحثات في البنتاغون، انتهت إلى اتفاق على رفع التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين إلى تعاون استراتيجي شامل، مع توسيع التعاون المؤسسي والتنسيق في قضايا السلام والأمن والاستقرار في القرن الأفريقي.

هنا لا ينبغي التسرع في وصف الخطوة بأنها «حلف مضاد» لاتفاقية مكة؛ فالوقائع المتاحة لا تثبت ذلك. لكن توقيتها وموقع إثيوبيا الجغرافي والسياسي يجعلانها جديرة بالقراءة ضمن التحول الأوسع في هندسة الأمن الإقليمي.

من مكة إلى القرن الأفريقي

اتفاقية مكة جمعت بين قوة اقتصادية ومالية كبرى في السعودية، وقوة عسكرية وصناعية متقدمة في تركيا، ودولة نووية في باكستان. وقد حملت، بصرف النظر عن تفاصيل تنفيذها، رسالة واضحة: بناء قدرة إقليمية أكبر على الردع والأمن الجماعي.

أما التقارب الإثيوبي–الأمريكي فيتحرك في اتجاه مختلف: قوة إقليمية محورية في القرن الأفريقي ترتبط بصورة أكثر انتظامًا بالقوة العسكرية الأكبر عالميًا.

والفارق بين المسارين هو تحديدًا ما يجعل المقارنة مهمة.

هل نحن أمام هندستين؟

قد لا يكون هناك حتى الآن «حلفان» متقابلان بالمعنى التقليدي. لكن المنطقة تتحرك نحو شبكات أمنية متداخلة، تتقاطع فيها دول الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مع القوى الدولية.

وهذا ما يجعل إثيوبيا مهمة. فهي ليست دولة هامشية في هذه المعادلة؛ موقعها وعلاقاتها مع السودان والصومال وإريتريا، وارتباطها بملفات النيل والبحر الأحمر، تجعل أي تحول نوعي في علاقتها الأمنية بواشنطن ذا آثار تتجاوز حدودها.

وبالتالي فإن السؤال ليس: هل وقعت إثيوبيا مع واشنطن حلفًا مضادًا لاتفاقية مكة؟ فالإجابة حتى الآن: لا دليل على ذلك. السؤال الأدق هو: هل بدأت عملية هندسة أمنية مقابلة، أو على الأقل موازية، لإعادة توزيع مراكز النفوذ في الإقليم؟

السودان في قلب المشهد

هنا يصبح السودان أكثر من متفرج على هذه التحولات.

فالممر الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي والنيل يمر بجوار السودان أو يتقاطع مباشرة مع مصالحه. والحرب السودانية نفسها أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي، بحيث يصعب فصل مسارها عن إعادة ترتيب الأمن في محيطها. وتشير قراءات حديثة إلى أن استقرار السودان يرتبط بصورة وثيقة بديناميات القرن الأفريقي وبالتحولات الشرق أوسطية.

ومن هنا فإن التقارب الإثيوبي–الأمريكي لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره شأنًا إثيوبيًا أو أمريكيًا. كما أن اتفاقية مكة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اتفاقًا خليجيًا–تركيًا–باكستانيًا منفصلًا عن محيطه.

نحن أمام لوحة أكبر.

في جهة، تتحرك قوى إقليمية لبناء قدرة أمنية أكثر استقلالًا. وفي جهة أخرى، تعيد الولايات المتحدة وصل علاقاتها الدفاعية مع قوى محورية في مناطق استراتيجية، ومنها القرن الأفريقي.

وقد لا يكون هذا صراع أحلاف مكتملة بعد، لكنه بالتأكيد سباق على تشكيل البيئة الأمنية التي ستولد منها أحلاف المستقبل.

السؤال الذي يستحق المتابعة

لذلك ربما كان السؤال الذي طرحناه عقب اتفاقية مكة بحاجة إلى صياغة جديدة.

لم يعد السؤال فقط: من يقف في الجهة الأخرى؟

بل: من يعيد هندسة الجهة الأخرى، وكيف؟

وهنا ينبغي أن نراقب الخطوات التالية: هل تتوسع الشراكة الأمريكية–الإثيوبية؟ هل تدخل دول أخرى على خط الترتيبات الأمنية الجديدة؟ وهل تمتد هذه الشبكات إلى البحر الأحمر والسودان؟

إذا حدث ذلك، فلن تكون اتفاقية مكة حدثًا منفردًا، ولا التقارب الإثيوبي–الأمريكي خبرًا عابرًا، بل علامتين على انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من هندسة الأمن وتوزيع النفوذ.

والسودان، بحكم موقعه الجغرافي وأزمته السياسية والعسكرية، لن يكون خارج هذه المعادلة؛ بل قد يكون أحد أهم ميادين اختبارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى