عبد الحميد أحمد الرفاعي يكتب : جذور العلاقات الامريكية الأفريقية (التاريخ-الإقتصاد -الأمن والسياسة )
خرطوم سبورت

عبد الحميد أحمد الرفاعي يكتب : جذور العلاقات الامريكية الأفريقية (التاريخ-الإقتصاد -الأمن والسياسة )٤
الموارد الأفريقية في الاقتصاد الأمريكي: من المواد الخام إلى الجيو-اقتصاد
حينما يطرح التاريخ سردية الحلم الأمريكي الذي زُرع في أرض الفرص والحريات، حيث ضجيج ماكينات المصانع وهي تلتهم بنهم المواد الخام القادمة من مختلف أنحاء العالم، لتنتج كل ما يحتاجه العالم؛ من الإبرة إلى الصاروخ. وفي قلب هذا المشهد، حضرت إفريقيا بمواردها وثرواتها، وإن اختلفت طبيعة هذا الحضور وقيمته باختلاف المراحل التاريخية وتطور الاقتصاد العالمي.
ومع تطور الصناعة والتكنولوجيا، لم تعد العلاقة بالموارد مجرد علاقة بين منتج ومستهلك، بل أصبحت جزءًا مما نعرفه اليوم بسلاسل التوريد العالمية، وبالاقتصاد القائم على التكنولوجيا المتقدمة والموارد الاستراتيجية.
وهنا لا بد أن يتوقف التاريخ ليطرح علينا ثلاثة أسئلة محورية:
أولًا: إلى أي مدى أسهمت الموارد الإفريقية في تطور الاقتصاد والصناعة الأمريكية؟
ثانيًا: هل كانت العلاقة مجرد تبادل تجاري، كما يحدث بين الدول عبر التاريخ، أم أنها دخلت تحت مظلة أوسع لتصبح ارتباطًا راسخًا بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية؛ من أمن الطاقة والأمن القومي إلى التفوق التكنولوجي والتحول نحو الطاقة النظيفة؟
ثالثًا: هل ظل هذا الارتباط ثابتًا على وتيرة واحدة، أم أنه كان يتغير ويتشكل وفق منظومة العلاقات الدولية، وتوازنات القوى، وحسابات المصالح؟
وللإجابة عن السؤال الأول، لا بد من استعراض أبرز الموارد الإفريقية التي اكتسبت أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد والصناعة الأمريكية في مراحل مختلفة.
في مقدمة هذه الموارد يأتي النفط، ولا سيما من دول مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر وليبيا، لما يمثله من أهمية في الطاقة والنقل والصناعة، فضلًا عن أبعاده الاستراتيجية.
ثم يأتي اليورانيوم، الذي اكتسب أهمية استثنائية مع تطور الطاقة النووية والبرامج النووية العسكرية، ومن أبرز مناطق إنتاجه في إفريقيا النيجر وناميبيا وجنوب إفريقيا.
أما الكروم، ولا سيما القادم من جنوب إفريقيا وزيمبابوي، فيدخل في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ والسبائك، وله تطبيقات في قطاعات صناعية وعسكرية متعددة.
ويبرز كذلك الكوبالت، خصوصًا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، باعتباره معدنًا استراتيجيًا يدخل في السبائك وبعض الصناعات الجوية والتكنولوجية، وأصبح أكثر أهمية في العصر الحديث مع تطور البطاريات وتقنيات الطاقة الحديثة.
ويأتي المنغنيز، المنتج في دول مثل جنوب إفريقيا والغابون وغانا، بوصفه مادة مهمة في صناعة الحديد والصلب والسبائك.
أما البوكسيت، الذي تعد غينيا واحدة من أبرز الدول الغنية باحتياطياته وإنتاجه، فيمثل المصدر الأساسي لإنتاج الألومنيوم، وهو معدن واسع الاستخدام في الطيران والنقل والصناعة.
ويحتل الذهب مكانة خاصة، ولا سيما في جنوب إفريقيا وغانا، لما له من أهمية تاريخية في النظام المالي والاحتياطيات، فضلًا عن استخداماته الصناعية والتكنولوجية.
كما يمثل البلاتين ومعادن مجموعة البلاتين، التي تتمركز نسبة كبيرة من احتياطياتها وإنتاجها في جنوب إفريقيا وزيمبابوي، موردًا استراتيجيًا يدخل في الصناعات الكيميائية والإلكترونية والطبية وغيرها.
أما المطاط الطبيعي، فقد ارتبط تاريخيًا بإنتاج ليبيريا، واكتسب أهمية في صناعة الإطارات والمنتجات الصناعية والاستخدامات المدنية والعسكرية.
ويأتي الكاكاو من دول مثل ساحل العاج وغانا ونيجيريا، بوصفه مادة أساسية في الصناعات الغذائية الأمريكية، وإن كانت أهميته الاقتصادية تختلف عن أهمية المعادن والطاقة الاستراتيجية.
هذه الموارد لم تكن جميعها على الدرجة نفسها من الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كما لم تكن علاقتها بها ثابتة عبر التاريخ؛ فقد ارتفعت أهمية بعضها وتراجعت أخرى تبعًا لحاجات الصناعة والتطور التكنولوجي والتحولات في الاقتصاد العالمي.
وهنا نصل إلى قلب المسألة.
خلال الحرب الباردة، لم يكن الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مجرد سباق للتسلح أو امتلاك للأسلحة النووية، بل كان أيضًا صراعًا على النفوذ والموارد والأسواق وممرات التجارة ومصادر الطاقة والمواد الاستراتيجية. ولذلك أصبحت إفريقيا، بما تمتلكه من موارد وموقع جغرافي، جزءًا من الحسابات الجيوسياسية للقوتين العظميين.
ومن منظور نظرية الأمن الإقليمي، لا يمكن التعامل مع الدول الإفريقية المنتجة للموارد باعتبارها كيانات معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي؛ إذ تتأثر خياراتها الاقتصادية والأمنية والسياسية بتوازنات القوى المحيطة بها، كما تؤثر مواردها ومواقعها الاستراتيجية في حسابات القوى الكبرى.
وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من الدول الإفريقية خلال الحرب الباردة، حيث اقتربت بعض الأنظمة من الاتحاد السوفيتي بدرجات متفاوتة، كما حدث في الجزائر وأنغولا .
وهكذا تزلزلت أشكال الارتباط الجيو-اقتصادي والجيوسياسي بين إفريقيا والولايات المتحدة تبعًا لتحولات النظام الدولي.
ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، لم تنته أهمية إفريقيا في الحسابات الأمريكية، بل تغيرت طبيعة العلاقة. ومع صعود الصين وتزايد الحضور الروسي، إضافة إلى المنافسة الدولية على الطاقة والمعادن والأسواق، اضطرت واشنطن إلى إعادة تعريف أدواتها الاقتصادية تجاه القارة.
وفي هذا السياق جاء قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA)، الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 2000 ودخل حيز التنفيذ في 18 مايو من العام نفسه، ليمنح الدول الإفريقية المؤهلة وصولًا تفضيليًا إلى السوق الأمريكية.
ثم جاءت مبادرة Prosper Africa التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2018، بهدف زيادة التجارة والاستثمار المتبادلين بين الولايات المتحدة والدول الإفريقية، في تحول يعكس اهتمامًا أمريكيًا أكبر بالشراكات التجارية والاستثمارية، وليس فقط بالحصول على الموارد.
وهكذا انتقلت العلاقة، بصورة تدريجية، من التركيز على المواد الخام إلى الاهتمام بـالاستثمار وسلاسل القيمة والمعادن الحيوية والتكنولوجيا والبنية التحتية والأسواق الإفريقية.
لكن هذا السرد يقودنا في النهاية إلى سؤال أكبر من مجرد العلاقة بين إفريقيا والولايات المتحدة:
هل ستبقى إفريقيا خزانًا هائلًا للمواد الخام، تستفيد منه القوى الكبرى وفق حاجاتها ومصالحها؟ أم ستتمكن الدول الإفريقية من تحويل ثرواتها الطبيعية إلى قوة تفاوضية واقتصادية، عبر التصنيع وإضافة القيمة وبناء الشراكات، واقتناص الفرص التي يتيحها تشكل النظام الدولي الجديد؟
ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الفصل القادم من تاريخ العلاقات الإفريقية–الأمريكية؛ فصل لا يتحدد فقط بما تملكه إفريقيا من موارد، وإنما بقدرتها على امتلاك شروط التفاوض حول هذه الموارد.
عبد الحميد أحمد الرفاعي











