
مدارس أبو ذر الكودة… من نجاح التعليم الخاص إلى سؤال الدولة
اسماعيل شريف
ليس الهدف من النظر إلى تجربة مدارس أبو ذر الكودة محاكمة المؤسسة، ولا التقليل من نجاحها، وإنما قراءة ظاهرة تتجاوزها إلى سؤال أوسع عن الدولة السودانية ووظائفها التي أخذت، بفعل الحرب والضعف المؤسسي، تنتقل تدريجياً إلى كيانات أخرى. الأرقام وحدها كافية لطرح السؤال. المؤسسة تعلن عن 65 مدرسة ونحو 70 ألف طالب، مع انتشار داخل عدد من محليات ولاية الخرطوم وولاية نهر النيل، وفروع ومراكز في مصر والسعودية. وفي سجلها الأكاديمي حضور لافت في الشهادة السودانية؛ ففي نتيجة 2022 أعلنت المؤسسة وجود 12 طالباً وطالبة ضمن المائة الأوائل، وأكثر من 129 طالباً بنسبة 90% فأعلى. وفي نتيجة الشهادة السودانية 2024 المؤجلة، أحرز أحد طلابها المركز الثاني بنسبة 96.4%. هذه أرقام نجاح تستحق التقدير. لكنها، في الوقت نفسه، تستحق السؤال.
ماذا يعني أن يصبح التعليم الخاص قادراً على إدارة شبكة تضم عشرات الآلاف من الطلاب، بينما يتراجع التعليم العام تحت ضغط الحرب والموارد والظروف الاقتصادية؟ هنا لا تصبح القضية «الكودة» وحدها. الكودة مجرد نموذج.
السودان عرف هذه المعادلة في مجالات أكثر خطورة. عندما تعجز الدولة عن أداء وظيفة، يظهر من يسد الفراغ. تبدأ العلاقة باعتبار الطرف الجديد مساعداً للدولة، ثم تتراكم لديه الخبرة والموارد والانتشار والنفوذ، فيتحول من مجرد مساعد إلى قوة قائمة بذاتها. حدث ذلك، بصور مختلفة، مع القوى المسلحة، ومع بعض شبكات النفوذ الاقتصادي، ومع كيانات اجتماعية وأهلية تمددت أدوارها كلما انكمشت قدرة الدولة. ولا يعني ذلك، بأي حال، مساواة المدرسة الخاصة بالجيش أو بالقوة المسلحة؛ الفارق بين هذه الكيانات جوهري. لكن هناك درساً واحداً مشتركاً الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغاً.
إذا كانت أفضل النتائج تتجه بصورة متزايدة إلى مؤسسات خاصة قادرة على توفير معلمين وبيئة تعليمية ومتابعة أكاديمية وإمكانات لا تستطيع المدارس الحكومية توفيرها، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون لماذا نجحت المدارس الخاصة بل لماذا لم تستطع المدرسة الحكومية أن توفر الشروط نفسها؟ فالتعليم الخاص حين ينجح لا يثبت بالضرورة أن أبناء الأسر القادرة أكثر ذكاءً، وإنما قد يكشف عن أثر البيئة التعليمية والقدرة على الإنفاق والاستقرار والمتابعة.
وهنا يظهر الطالب الآخر؛ ابن الأسرة محدودة الدخل. ماذا يفعل إذا أصبحت جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة على دفع الرسوم؟ المشكلة لا تقف عند التحصيل الأكاديمي. فالحرمان المستمر من الفرص قد ينتج فجوة في الثقة بالنفس والدافعية والانتماء، بينما يصبح التفوق نفسه، في بعض البيئات، امتيازاً اجتماعياً قابلاً للشراء.
فعندها يتحول تفاوت الدخل إلى تفاوت في التعليم، ثم يتحول تفاوت التعليم إلى تفاوت في المستقبل.
لذلك فإن نجاح التعليم الخاص يجب ألا يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن الدولة، وإنما باعتباره إنذاراً للدولة ودليلاً يمكن أن تتعلم منه. إذا استطاعت مؤسسة خاصة أن تبني نظاماً تعليمياً واسعاً، وتستقطب عشرات الآلاف من الطلاب، وتحقق نتائج متقدمة، فعلى الدولة أن تسأل ما الذي فعلته هذه المؤسسة بصورة صحيحة، ولماذا لا تستطيع المدرسة الحكومية فعله؟ الدولة لا تحتاج إلى إضعاف القطاع الخاص. بل تحتاج إلى دولة قوية تنظّم الخاص، وتستفيد من نجاحه، وتحمي حق الفقير في تعليم جيد.
لقد دفعت الأزمات الدولة، في مراحل مختلفة، إلى الاستعانة بقوى خارج بنيتها الرسمية لسد العجز. وكانت المشكلة دائماً أن القوة التي تنشأ لتساعد الدولة قد تكبر بمرور الوقت إلى درجة يصعب معها إعادة تعريف حدودها. الجسم الموازي لا يصبح خطراً لأنه وُلد قوياً؛ قد يصبح خطراً لأنه نما في ظل دولة ضعيفة. وهذه ربما تكون إحدى أهم دروس السودان. نحن لا نحتاج بعد الحرب إلى مزيد من البدائل عن الدولة. نحتاج إلى إعادة بناء الدولة نفسها. مدارس أبو ذر الكودة يمكن أن تكون قصة نجاح في التعليم الخاص، وهذا حقها.
هل نريد دولة تستفيد من نجاح المجتمع والقطاع الخاص، أم دولة تتنازل تدريجياً عن وظائفها الأساسية لمن يستطيع القيام بها؟ فالمدرسة الخاصة يمكن أن تكون شريكاً. ورجل الأعمال يمكن أن يكون شريكاً. والمجتمع الأهلي يمكن أن يكون شريكاً. لكن الدولة لا ينبغي أن تكون شريكاً في وظائفها الأساسية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في السودان ليس أن يفشل البديل؛ بل أن ينجح البديل إلى الدرجة التي تنسى معها الدولة أنها هي الأصل.











