
مطالبات شركات الوقود السودانية.. تغريد خارج السرب
إسماعيل شريف
في خضم أزمة الوقود التي شهدتها الخرطوم وعدد من الولايات السودانية، تقدمت 24 شركة عاملة في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية بمذكرة إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، طالبت فيها بمراجعة ضوابط الاستيراد والتمويل وإنهاء ما وصفته بحصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات. غير أن قراءة الأزمة في سياقها الاقتصادي تكشف أن القضية تتجاوز جدل المنافسة والاحتكار إلى اختلالات التمويل وتوفير النقد الأجنبي وقدرة الدولة على تأمين احتياجات السوق.
تعمل في استيراد الوقود حاليًا ثماني شركات أودعت، وفق المعلومات المتاحة، ما يعادل 200 غرام من الذهب لدى بنك السودان المركزي ضمانًا لعمليات الاستيراد، على أن تحصل على الدولار المخصص لهذا الغرض وفق الضوابط المقررة. لكن عجز البنك عن توفير كامل القيمة المطلوبة للاستيراد حال دون تمكين هذه الشركات من أداء دورها على الوجه المطلوب، فتراجعت الكميات المستوردة عن تغطية احتياجات السوق، وتفاوتت حدة الأزمة بين ولاية وأخرى، في مشهد يعكس ارتباط استقرار الإمدادات بقدرة منظومة التمويل على الوفاء بالتزاماتها.
وفي أواخر سبتمبر ومطلع أكتوبر، شهدت الخرطوم طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما ارتفعت الأسعار في السوق الموازية إلى مستويات تجاوزت الأسعار الرسمية بفوارق كبيرة. وأوردت «سودان تريبيون» في الأول من أكتوبر أن سعر جالون البنزين في السوق الموازية بلغ نحو 60 ألف جنيه، مقابل 37 ألفًا في المحطات الرسمية، بينما تراوح سعر جالون الديزل بين 65 و70 ألف جنيه خارج المحطات المحددة، مقابل نحو 45 ألفًا رسميًا. وهي فجوة لا تفسرها ندرة الإمدادات وحدها، بل تستدعي فحص آليات الاستيراد والتوزيع والتمويل والرقابة على السوق.
كانت الحكومة قد اتجهت إلى تشديد ضوابط استيراد الوقود في ظل شح النقد الأجنبي واتساع السوق الموازية، كما قرر مجلس الوزراء دخول الدولة في استيراد المشتقات البترولية ضمن مساعي ضبط السوق وسعر الصرف. وجاءت هذه التدابير بعد خروج مصفاة الخرطوم عن الخدمة بسبب الحرب، وهي التي كانت توفر، وفق تقارير منشورة، نحو 70% من احتياجات البلاد من المحروقات، الأمر الذي زاد الاعتماد على الاستيراد الخارجي ورفع الضغط على موارد النقد الأجنبي.
في المقابل، تتمسك شركات أخرى بضرورة فتح الاستيراد أمام نطاق أوسع من الشركات، وتقدم ما يجري باعتباره احتكارًا للسوق. لكن هذه المطالبة، في حد ذاتها، لا تثبت وجود احتكار غير مشروع، مثلما أن إخضاع الاستيراد لضوابط محددة لا يعفي الجهات المسؤولة من تقديم أدلة واضحة على عدالة تلك الضوابط وكفاءتها. فالمنافسة الحقيقية لا تقوم على عدد الشركات وحده، وإنما على معايير التأهيل والتمويل وتخصيص الشحنات والقدرة على توفير الوقود بالسعر المناسب وفي الوقت المحدد.
وتذهب المعلومات المتداولة بشأن نشاط بعض الشركات إلى أن طلبها الدولار من السوق الموازية لتغطية التزامات الاستيراد وتكاليفه أسهم في زيادة الضغط على النقد الأجنبي، بما قد يفاقم ارتفاع سعر الصرف ويزيد تعقيد أزمة الوقود. غير أن تحديد حجم هذا الأثر ومسؤولية كل شركة عنه يقتضي بيانات موثقة عن عمليات الاستيراد ومصادر التمويل والتكاليف الفعلية، لا الاكتفاء بالاتهامات المتبادلة.
كما أن المذكرة المقدمة إلى رئيس مجلس السيادة تتضمن حديثًا عن هوامش أرباح لبعض الشحنات بلغت نحو سبعة ملايين دولار، في ظل تفاوت بين سعر الدولار المخصص للاستيراد، المقدر بنحو 5500 جنيه، وسعر السوق الموازية الذي بلغ نحو 8300 جنيه. وتظل هذه الأرقام بحاجة إلى تدقيق مستقل يكشف طبيعة تلك الأرباح، وحجم الشحنات التي استندت إليها الحسابات، والتكاليف المرتبطة بالشراء والنقل والتأمين والتمويل، قبل اعتمادها أساسًا للحكم على سلامة المنظومة أو فسادها.
ولا يمكن إغفال ما يُثار بشأن ارتباط بعض الشركات بنفوذ داخل دوائر صنع القرار؛ وهي مسألة، إن أريد تحويلها من اتهام إلى حقيقة قابلة للمحاسبة، فلا بد أن تستند إلى معلومات موثقة تكشف طبيعة المصالح والعلاقات ومدى تأثيرها في منح التراخيص وتخصيص التمويل والشحنات. فشفافية الإجراءات هي الضمانة الأساسية لمنع الاحتكار، سواء أكان مصدره سيطرة شركات محددة أم امتيازات تمنحها مؤسسات الدولة.
وفي ظل سريان قرار البرهان الأخير، لم يعد الجدل حول الضوابط كافيًا لتفسير الأزمة أو معالجتها. المطلوب هو معرفة أسباب تعثر التمويل، وحجم الفجوة بين الكميات المستوردة والاحتياجات الفعلية، ومدى التزام الشركات والبنوك والجهات الحكومية بمسؤولياتها. كما تبرز الحاجة إلى نشر معايير التأهيل وتخصيص حصص الاستيراد، وإخضاع التكلفة وهوامش الأرباح والتمويل لمراجعة مستقلة تضمن المنافسة وتحمي موارد البلاد وحقوق المواطنين.
إن أزمة الوقود ليست معركة بين شركات تتنافس على حصص السوق، ولا خلافًا إداريًا يمكن حسمه بتبادل المذكرات والاتهامات؛ إنها قضية تمس حياة المواطنين وحركة النقل والإنتاج، وتتصل مباشرة بأزمة النقد الأجنبي التي أنهكتها الحرب. وبين حق الدولة في تنظيم الاستيراد وحق الشركات المؤهلة في المنافسة، تبقى الأولوية لتأمين الإمدادات ومنع استغلال الموارد العامة.
السودان لا يحتاج إلى توسيع دائرة الجدل بقدر حاجته إلى سوق وقود منضبط وشفاف، تتحدد فيه الفرص وفق معايير معلنة، وتُراجع فيه التكاليف والأرباح على أساس البيانات، وتُحاسب فيه كل جهة يثبت تقصيرها أو تجاوزها. فالتنظيم لا يعني الاحتكار، والمنافسة لا تعني غياب الضوابط، والأهم ألا يدفع المواطن ثمن تعثر التمويل أو تضارب المصالح أو إخفاق الإدارة.











