الاخبار

إلى متى تظل إدارات البرامج في المحطات الإعلامية السودانية أسيرة العقلية القديمة؟

خرطوم سبورت

 

إلى متى تظل إدارات البرامج في المحطات الإعلامية السودانية أسيرة العقلية القديمة؟

أزمة الخيال الغائب.. واحتكار الميكروفون.. وإدارة الإعلام بعقلية الأمس

قلم جاف
لقمان الكنزي

بكل صراحة ودون مجاملة أو مواربة تعاني قطاعات واسعة من المحطات الإذاعية والتلفزيونية السودانية من أزمة حقيقية في إدارة البرامج.. أزمة لا تتعلق فقط بضعف الإمكانيات أو الموارد إنما تمتد إلى طريقة التفكير وفلسفة الإدارة والقدرة على الابتكار والاستعداد لمغادرة المنطقة الآمنة التي ظلت بعض الإدارات حبيسة لها لعقود.

المشكلة أن بعض إدارات البرامج لا تزال تتعامل مع الخارطة البرامجية وكأن الزمن توقف عند تسعينيات القرن الماضي..
البرامج تتكرر والقوالب تتشابه والأسماء تتبدل او لا تتبدل لكن المحتوى يظل يدور في الحلقة ذاتها. حوارات تقليدية وسهرات مستهلكة وبرامج تعتمد على استضافة الوجوه نفسها وأفكار يعاد تدويرها من موسم إلى آخر وكأن الإبداع أصبح ترفاً لا مكان له داخل المؤسسات الإعلامية.

ما زالت بعض إدارات البرامج تدير الخارطة البرامجية بعقلية الجدول الوظيفي لا بعقلية صناعة المحتوى. المهم أن تمتلئ ساعات البث لا أن تقدم المحطة منتجاً إعلامياً يستحق المتابعة.
أين الدراسات التي تحدد احتياجات الجمهور؟
أين تحليل نسب المشاهدة والاستماع؟
أين تقييم البرامج؟
وأين المشاريع البرامجية التي تستشرف المستقبل؟

ليس من المعقول أن تتغير الحياة من حولنا بهذه السرعه بينما تظل بعض الشاشات والإذاعات تقدم المحتوى نفسه بالأساليب ذاتها والأدوات ذاتها.

واحدة من أكثر الظواهر إزعاجاً هي احتكار الفرص البرامجية وتدوير مجموعة محدودة من الأسماء والمقدمين والمنتجين وكأن المؤسسات الإعلامية ملكية خاصة لمجموعة بعينها.
هناك مواهب شابه ومذيعون ومعدون ومنتجون يمتلكون أفكاراً جديدة وقدرات واعدة لكنهم لا يجدون فرصة حقيقية للظهور أو الاختبار.
أصبح الوصول إلى الميكروفون في بعض المؤسسات أصعب من امتلاك الموهبة نفسها
والسؤال: هل المؤسسة الإعلامية ميدان للتنافس المهني أم نادٍ مغلق تحكمه العلاقات

ومن المؤسف أن تغيب البرامج الشبابية المؤثرة أو تظهر في قوالب شكلية لا تلامس اهتمامات الشباب الحقيقية.
أين برامج ريادة الأعمال؟ أين الابتكار والتكنولوجيا؟ أين الثقافة الرقمية؟ أين المبادرات الشبابية؟ أين النقاشات الجادة حول البطالة والتعليم والتحولات الاجتماعية وصناعة المستقبل؟
الشباب لم يعودوا ينتظرون موعد برنامج إذاعي أو تلفزيوني ليعرفوا ما يحدث حولهم فهم يعيشون في فضاء رقمي مفتوح ويستهلكون محتوى سريعاً وتفاعلياً ومتجدداً.
فكيف تريد محطة إعلامية أن تنافس في عصر المنصات الرقمية بعقلية لا تزال تخشى التجديد؟

لا يمكن صناعة إعلام مؤثر بعقلية التقشف الدائم في الإنتاج.
بعض الإدارات تريد برامج عالية الجودة ومحتوى جاذبا وإخراجا متميزا لكنها لا تخصص ميزانيات تتناسب مع طموحاتها.
لا توجد استثمارات كافية في الأفكار ولا في التدريب ولا في التقنيات ولا في الإنتاج الخارجي ولا في تطوير القوالب البرامجية.
والحقيقة أن البرنامج الناجح فكرة وبحث وإعداد وإنتاج وإخراج وتسويق وتقييم.
الإعلام الذي لا يستثمر في محتواه يحكم على نفسه بالتراجع مهما امتلك من أجهزة ومبانٍ وترددات وشاشات.

المشكلة ليست في البرامج التقليدية ذاتها فهناك قوالب كلاسيكية ناجحة ومهمة وإنما في الإصرار على تقديمها بالطريقة نفسها دون تطوير أو تحديث.
لماذا يُنظر إلى الفكرة الجديدة باعتبارها مغامرة؟ ولماذا تُحاصر المقترحات غير المألوفة بالاعتراضات قبل أن تجد فرصة للتجربة؟
لماذا لا تخصص المحطات مساحة للمختبرات البرامجية والتجارب الشبابية والبودكاست والبرامج التفاعلية والإنتاج الوثائقي والقصص الإنسانية؟
المؤسسة التي تخاف من التجربة لن تنتج جديدا والإدارة التي لا تحتمل الاختلاف لن تصنع إبداعاً.

ولعل واحدة من أكثر القضايا حساسية.هي ان
بعض المؤسسات الإعلامية الحكومية تعاني من إشكالات إدارية تتجاوز حدود ضعف الأداء البرامجي إلى غياب معايير واضحة للتكليف والتقييم وضعف المساءلة وتداخل الاعتبارات الشخصية مع القرارات المهنية.
عندما تصبح العلاقات أهم من الكفاءة والمجاملة أهم من الإنجاز والترضيات أهم من جودة المنتج الإعلامي فإن المؤسسة تدفع الثمن من رصيدها المهني ومن ثقة جمهورها.

الإدارة الإعلامية مسؤولية مهنية تتطلب رؤية استراتيجية وجرأة في اتخاذ القرار،ط وقدرة على اكتشاف المواهب وتقييم الأداء بمعايير عادلة وشفافة.

من المؤسف أن بعض البرامج تستمر لسنوات رغم ضعف تأثيرها وتراجع جاذبيتها دون مراجعة حقيقية لمحتواها أو جدواها.
أين تقارير تقييم الأداء؟ أين قياس رضا الجمهور؟ أين المحاسبة على الأموال التي تُصرف على الإنتاج؟ وأين الخطط التي تحدد أهدافاً واضحة لكل إدارة برامج؟
ليس كل برنامج يستحق الاستمرار لمجرد أن له تاريخاً طويلا وليس كل مقدم ناجح بالضرورة لمجرد أنه ظل سنوات أمام الميكروفون أو الكاميرا.
الاستمرارية ينبغي أن تكون مرتبطة بالجودة والتأثير لا بالأقدمية والامتيازات.

الإعلام السوداني يحتاج إلى ثورة في التفكير و الأزمة الحقيقية التي تواجه بعض المحطات الإعلامية السودانية ليست أجهزة أو استوديوهات أو ترددات بل أزمة رؤية وإدارة ومحتوى.

نحتاج إلى إدارات برامج تؤمن بأن الموهبة لا تقاس بالعمر وأن الكفاءة لا تُمنح بالمحاباة وأن الميكروفون ليس امتيازاً شخصياً وأن الخارطة البرامجية مسؤولية تجاه الجمهور.
نحتاج إلى فتح الأبواب أمام الطاقات الجديدة وإعادة الاعتبار للمعد والمنتج والمخرج وتخصيص ميزانيات حقيقية للإنتاج وإنشاء وحدات لتطوير الأفكار وإتاحة الفرصة للمنافسة العادلة بين البرامج والمقترحات.

ليس من المقبول أن نطالب الجمهور بالعودة إلى إذاعاتنا وشاشاتنا بينما نحن نرفض مغادرة أساليبنا القديمة
وليس من المنطقي أن نتحدث عن إعلام المستقبل ونحن ندير مؤسساتنا بعقلية الماضي ونحتكر فرص الحاضر ونغلق الأبواب أمام مواهب المستقبل.

آن الأوان لمراجعة شجاعة لأداء إدارات البرامج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رسالة الإعلام السوداني.
فالإعلام لا يموت عندما تنطفئ أجهزة الإرسال فقط بل يبدأ موته الحقيقي عندما تنطفئ الأفكار ويغيب الإبداع ويتحول الميكروفون من منبر للجميع إلى امتياز لقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى