
عصام أبومدينة يكتب : تشاد من ظهير لوجستي إلى ساحة محتملة للصراع
لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد صراع محلي محصور في جغرافيا الخرطوم أو أطرافها، بل باتت تعيش اليوم فصلاً جديداً تحكمه منطق الهزيمة والبحث عن بدائل جغرافية للبقاء. فمع الانكسارات الميدانية المتلاحقة لمليشيا الدعم السريع وتقلص نفوذها داخل الأراضي السودانية، بدأ المشهد يتجه نحو تصدير الأزمة إلى الجارة تشاد، ليس فقط كارتداد عسكري طبيعي، بل كتحصيل حاصل لشبكة من التورط الإقليمي المعقد الذي جعل من (إنجمينا) طرفاً غير معلن في الصراع.
تشير الوقائع الميدانية إلى أن الجيش السوداني نجح في محاصرة التمدد العسكري للمليشيا، واضعاً إياها في مرحلة (الانهيار الاستراتيجي) حيث انحسرت سيطرتها من مساحات شاسعة لتنكمش في بعض الولايات. هذا التراجع لا يمثل مجرد خسارة لمواقع جغرافية، بل هو فقدان تام للقدرة على الإدارة المستدامة، مما يدفع بقايا هذه القوات للبحث عن عمق بديل وملاذ آمن، وهو ما توفره الأراضي التشادية بفعل الحدود المفتوحة والتداخل القبلي والروابط العسكرية غير الرسمية.
تشاد لم تكن يوماً بعيدة عن المشهد؛ فالتقارير والاتهامات تلاحق الحكومة التشادية بتسهيل مرور السلاح والعتاد الإماراتي عبر أراضيها، وتحولها إلى منصة خلفية لإدارة العمليات وتدفق المقاتلين. هذا التورط جعل من تشاد شريكاً في معادلة الحرب حسب رأي مراقبين، وهو دور يحمل في طياته بذور فناء النظام نفسه، فالدولة التشادية تعيش هشاشة داخلية مزمنة منذ رحيل إدريس ديبي، والمعارضة المسلحة فيها لا تزال تترقب اللحظة المناسبة للتحرك. ومع وجود آلاف التشاديين يقاتلون في صفوف مليشيا الدعم السريع، فإن عودة هؤلاء بمرارة الهزيمة قد تشعل فتيل صراع داخلي.
إن ما ينتظر المنطقة في المرحلة المقبلة هو مواجهة حتمية مع (كرة اللهب) التي ستنتقل من الداخل السوداني لتستقر في الجوار. فالتاريخ يؤكد أن المليشيا حين تفقد قواعدها الصلبة تتحول إلى (جيوش شتات) تفتك بالساحات الهشة، ولن تجد أمامها سوى الساحة التشادية المنهكة. وهذا يضع (إنجمينا) أمام مسارين: إما فك الارتباط اللوجستي بالمليشيا المهزومة فوراً لحماية أمنها القومي، أو الاستمرار في هذا الدور لتتحول إلى (ساحة المعركة القادمة) في صراع يتجاوز قدرتها على الاحتمال.










