
إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة
*د.فردوس عمر أبومدينة*
*تكتب*
روى الإمام البخاري في صحيحه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة, قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله, فانتظر السَّاعة).. أخرجه البخاري في الصحيح.
الساعة لها علامات أحد أكبر علاماتها : أن يسند الأمر إلى غير أهله فلكل عمل أهله، فإذا قام بالعمل من ليس له بأهل، فقد اقتربت الساعة، هذا من علامات قيام الساعة، والإنسان إذا ولى على عشرة رجلاً، وفيهم من هو خير منه، فقد خان الله ورسوله، يعني أنت مدير معمل، وليت على عشرة عمال أمير وفيهم من هو خير منه، فقد خنت الله ورسوله.
سيدنا عمر رضي الله عنه، سأل أحد الولاة : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً فإذا جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل، فسأقطع يده، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم؛ فإن وفيناهم ذلك تقاضيناهم، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً، وجدت في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك في المعصية.
عندما يوكل الأمر لغير أهله .. .
ينقلب الحق باطلا
والباطل حقاً
ويعم الظلم في الأرجاء،
ويصبح الحق ضائعا
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله ..
تنقلب كل الموازين
يصبح الجلاد أشد سطوة في الباطل
والقاضي يقف متفرجا
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله .. ؟
يقدم سوء الظن
ويغيب الفهم
وتتحجر العقول
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله ..
يستقوي المنافقين
ويغتر بهم ضعيف الهمة وصغير العقل
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله .. .
فلا تستغرب أن يسلب حقك باسم المجاملة
لا تستغرب إن تم تخوينك والطعن في نيتك
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله .. ؟
فاخفضوا رؤوسكم لهذه الجوقة الفاسدة
وأبكوا على حالكم وحال من ولي أمركم
عندما يوكل الأمر إلى غير أهله ..
والمصيبة أنك لا تستطيع أن تدافع
عن نفسك
والسبب : هو أن الأمر موكل إلى غير أهله ..
أَمر صلى الله عليه وسلم بأن يوكل كل أمر إلى من هو أهله، وقال
“إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانْتَظِرِ الساعةَ”.
حين تسلم مفاتيح القرار لمن لا يعرفون وزنها
تتحول الدولة إلى جسد بلا روح،
والمنصب إلى غنيمة، والخدمة إلى امتياز
والقانون إلى ورقة تطوى وتفتح حسب المصالح.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
فالأمانة ليست فضيلة شخصية فقط،
بل عقدا اجتماعيا بين الحاكم والمحكوم،
وعهدا أخلاقيا بين السلطة والناس،
وميزانا توزن به شرعية القرار قبل قوته.
وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
فالعدل لا يقوم على حسن النية وحدها
بل على أهلية تعرف وتفهم، وتقدر العواقب قبل أن تصدر الأحكام.
وفي الحكمة المأثورة
“إذا وُضِع السيف في يد الجبان، أضاع نفسه وأضاع قومه.”
فكيف إذا وضع القرار في يد من لا يرى أبعد من كرسيه؟
حين يقصى الحكماء ويهمش أهل الخبرة
وتكافأ الرداءة ،تبدأ الهزيمة من الداخل،
حتى وإن بدا الخارج متماسكا
فما من دولة سقطت فجأة،
بل سقطت أولًا حين سكت عقلاؤها
وتكلم سفهاؤها وصار المنصب ميراثًا
والمسؤولية مجاملة، والوطن بندا في خطاب لا أكثر.
إلى القائمين على أمر الدولة
وإلى المسؤولين في الحكومة
وإلى أبناء الشعب في كل موقع وتأثير :
اعلموا أن السلطة امتحان لا تشريف،
وتكليف لا غنيمة
وأن الأمانة لا يحفظها القانون وحده،
بل ضمير حي يراقب الله قبل أن يراقب الناس.
اختاروا للأوطان عقولها قبل وجوهها
وكفاءتها قبل قراباتها
وأمانتها قبل ولاءاتها.
أيها الراعي…
اعلم أن المنصب يزول والذكرى تبقى
وأن الكرسي لا يرفعك عند الله، بل يختبرك
وأن دعوة مظلوم في جوف الليل
أثقل في ميزان السماء من كل أختامك وقراراتك.
وأيها الراعي والراعية…
اعلموا أن الصمت على الخطأ شراكة فيه
وأن تزيين الفساد خيانة للوطن قبل أن تكون خديعة للناس
وأن الحق الذي لا يقال اليوم
سيدفع ثمنه غدا أضعافا.
فإن استقام الراعي صلحت الرعية،
وإن وعت الرعية قوم الراعي
*وبس*








