د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة تكتب : جرعة وعي : وسائط التواصل الاجتماعي… هل هى معول لهدم العلاقات؟
خرطوم سبورت

جرعة وعي : وسائط التواصل الاجتماعي… هل هى معول لهدم العلاقات؟
كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة
بروفيسور مشارك
لم تعد وسائط التواصل الاجتماعي وسائل عابرة لتبادل الأخبار أو توسيع دوائر التعارف بل أضحت فضاءا مركبا تتشكل فيه أنماط العلاقات وتمحص فيه القيم وتظهر عبره مكنونات الطباع. فهي من حيث الأصل أداة ميسرة تقلص المسافات وتختزل الزمن غير أن الأداة إذا جردت من وعي يهديها ومن قيم تضبط مسارها انقلب أثرها وغدت سببا لاختلال ما كان يراد له أن يستقيم فتتحول من وسيط للتقارب إلى عامل يوهن الروابط ويقوض بنيانها من الداخل.
إن أخطر ما في هذه الوسائط أنها أطلقت الكلمة من عقالها صارت تكتب في لحظة غضب وتنشر في ثانية انفعال ثم تبقى شاهدة على صاحبها ما بقيت الخوادم تحفظها. وقد نبه القرآن إلى خطورة الكلمة في كل حال، فقال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
فالمنشور قول والتعليق عليه قول وإعادة النشر قول وكلها داخلة في عموم اللفظ الذي تحصيه الملائكة وتسجله الصحائف. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا» (رواه البخاري).
فكيف إذا كانت الكلمة لا تقال في مجلس محدود، بل تبث إلى الآفاق وتصل إلى مئات وآلاف في لحظات؟
ومن هنا تبدأ الشروخ الأولى في جدار العلاقات إذ تستبدل المجالس بالمنشورات والحوار بالتعليقات والعتاب المباشر بالتلميح الموارب. فتتضخم التأويلات وتشتعل الشكوك ويغيب حسن الظن. وقد جاء القرآن حاسما في هذا الباب :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: 12).
والاجتناب هنا أبلغ من الترك لأنه دعوة إلى سد منافذ الريبة من أصلها لا إلى معالجة آثارها بعد استفحالها. لكن الوسائط تغري بالتتبع وتفتح أبواب المقارنة وتجعل من كل تفصيل صغير مادة للظن حتى تتآكل الثقة بصمت بين الناس.
ثم تتعاظم القطيعة عندما تتحول الغيبة إلى ممارسة رقمية واسعة الانتشار. فبعد أن كانت كلمةً عابرة في دائرة محدودة تحولت إلى “لقطة شاشة تتداول، أو منشورا يلمح أو مقطعا يشهر . قال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحجرات: 12).
إن الصورة القرآنية هنا ليست مجرد تشبيه فحسب وإنما صدمة أخلاقية توقظ الضمير فكما يستقبح أكل لحم الميت، يجب أن يستقبح تمزيق السمعة في غياب صاحبها. وقد عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره» (رواه مسلم)، ولم يقيدها بلسان دون آخر فالكتابة لسان والنشر لسان والتلميح لسان وكلها سهام إن خرجت لا تعود.
أما إذا أضيف إلى ذلك كسر الخصوصيات ونشر الأسرار اتسعت دائرة الهدم. فقد غدا بعض الناس يفضي بخلافاته الزوجية أو تفاصيل بيته إلى جمهور لا يعرفه ويستعرض ما كان ينبغي أن يستر. وهذا مما توعد عليه الشرع، إذ قال صلى الله عليه وسلم
«إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرها» (رواه مسلم).
فالأسرة تقوم على ستر وثقة، فإذا انكشف الستر تزعزعت الثقة وإذا تزعزعت الثقة تصدّع البنيان من داخله.
ولا يقف الأمر عند حدود القول الصريح بل يتسلل في صورة أشد خبثا عبر الحسابات الوهمية التي تنشأ لا للتواصل ولكن لتصفية الحسابات وبث الشائعات وتشويه السمعة. إنها صورة حديثة من صور الجبن الأخلاقي يظهر صاحبها باسم مستعار وصورة مزيفة ثم يطلق سهامه في الظلام مطمئنا إلى أنه في مأمن من المواجهة. وهذا السلوك يجمع بين الكذب والبهتان وإشاعة السوء، وقد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)،
فالصدق لا يقتصر على مضمون الكلمة ولكن يتعداها ليشمل هوية القائل وموقفه. وقد ذكر سبحانه وتعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 19).
والإشاعة اليوم لا تحتاج إلى منبر يكفي حساب مجهول ليبث ثم تتلقف الألسنة الرقمية ما يبث فيتسع الخرق ويصعب الرتق.
ويزداد الشرخ عمقا عندما تغذي هذه الوسائط روح المقارنة والحسد فتعرض الحياة في هيئة مثالية منتقاة : نجاحات متواصلة ابتسامات دائمة مظاهر رفاه أسفار متكررة هدايا متبادلة . فينشأ في النفس شعور بالنقص أو الغيرة، ويبدأ الاحتقان الصامت داخل العلاقات. وقد وجّه القرآن إلى علاج هذا الداء بقوله:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ (طه: 131).
إن مد العين مقدمة لمد القلب، ومد القلب باب لفساد الرضا واهتزاز الطمأنينة.
وهكذا، تتكاثر الأسباب وتتداخل : كلمة غير منضبطة. ظن متعجل. غيبة رقمية سر يفشى.حساب وهمي. مقارنة مستفزة… حتى نجد أنفسنا أمام علاقات متآكل ظاهرها تواصل وباطنها تباعد.
غير أن الوسائط في حد ذاتها ليست شرا محضا فهي أداة شأنها شأن كل وسيلة تحسن إذا أُحسن استعمالها وتفسد إذا فقد ميزانها. والميزان الذي يضبط هذا الفضاء ويصونه هو ما جمعته آيةٌ واحدة جامعة :
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83).
فلو سبقت هذه الآية كل منشور وكل تعليق وكل إعادة نشر لسلمت القلوب من كثير من الجراح، ولسكنت العلاقات من كثير من الريبة.
إن الخطر الحقيقي ليس في التقنية، بل في غياب الضمير، وليس في سرعة الاتصال، بل في بطء الحكمة. فإذا اقترنت الوسيلة بالقيم، صارت جسورا للمودة، وإذا انفصلت عنها تحولت إلى معاول تهدم أقوى العلاقات، بينما نظن أننا لا نفعل أكثر من ضغط زر.
ومن هنا فإن المسؤولية ليست تقنية بقدر ما هي أخلاقية وليست مهارية بقدر ما هي إيمانية. فالمؤمن يستحضر قبل أن يكتب نظر الله إليه، وقبل أن ينشر شهادة الملك عليه، ويزن كلمته بميزان التقوى لا بعدد الإعجابات. إن استحضار قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ كفيل بأن يجعل من كل مساحة رقمية ساحةَ مسؤولية لا ميدان انفلات.
كما أنه ليست العبرة أن نكون حاضرين في كل منصة بل أن نكون مستقيمين في كل كلمة فالكلمة أمانة والستر عبادة وحفظ الأعراض من صميم الدين. وما أحوجنا في زمن الانكشاف إلى وازع داخلي يردع قبل أن تنشر الإساءة، ويوقظ قبل أن تستباح الخصوصيات وتذكر بأن ما يكتب اليوم سيقرأ غدا في صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة.
فليكن تواصلنا امتدادا لقيمنا لا انفصالا عنها ولتكن شاشاتنا مجالا لذاك إما نفع أو إصلاح لا منبرا لقطيعة أو تشهير. وحينها فقط تتحول التقنية من اختبار للأخلاق إلى شاهد عليها، ومن فتنة محتملة إلى نعمة مستثمرة في مرضاة الله وصيانة العلاقات.
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وكتبنا عنده من المعتوقين









