د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة تكتب : جرعة وعي : في حكم نشر القبلية والعنصرية وأثرهما في تمزيق البنية الاجتماعية
خرطوم سبورت

جرعة وعي : في حكم نشر القبلية والعنصرية وأثرهما في تمزيق البنية الاجتماعية
*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
إن العصبية والعنصرية من صفات أهل الجاهلية التي نهى عنها الإسلام وحاربها وهي في وقتنا الحاضر تلازم الشعوب المتخلفة والدول الممزقة.
كما وهي انعكاس لتشوهات التربية العقيمة ومظهر من مظاهر الأمراض الاجتماعية، التي تنذر بالعواقب الوخيمة، والنتائج الخطيرة على تماسك المجتمع ووحدته، وفي تجاهل أسبابها ومسبباتها أو التساهل مع متعاطيها محفز لانزلاق المجتمع نحو التناحر فيما بينه، وبالتالي يصبح مجتمعاً ممزقاً يسهل افتراسه.
إن الفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والتنابز بالألقاب؛ والعنصرية المناطقية والإقليمية والطبقية للون أو لجنس، كل ذلك رجس من عمل الشيطان.
ولقد جاء الإسلام ليساوي بين الناس، وكان نداؤه قوياً مزلزلا بإلغاء الفوارق الطبقية، والقضاء على العنصرية، فمجتمع الاسلام الأول تساوت فيه الأكتاف حتى قال عبد الرحمن ابن عوف: “أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا” (يعني بلالاً).
وأعزنا الله تعالى بالإسلام، فأخرجنا به من الظلمات إلى النور، ومن الجور الى العدل، ومن المعتقدات الفاسدة الى العقيدة الصحيحة، ومن الأخلاق الرذيلة الى الأخلاق الحسنة الكريمة؛ فقد كانت الأمم متناثرة، والقبائل متناحرة، والمجتمعات متشرذمة؛ وجاء الإسلام بشريعته العظيمة، ومبادئه السمحة وقيمه الإنسانية، فغرس في الناس وشيجة الدين وآصرة الإيمان لتكون هي الرابطة التي تجتمع عليها الأمة ويميز به بين أفرادها ويسمو بعضهم فوق بعض بالتقوى فقط.
وقد بين النبي الكريم صلى الله عليه وسلم خطورة العصبية ودعوى الجاهلية، وحذر منها تحذيراً شديداً، من استوعبه لن يكون عنصرياً أبدا فقد قال: ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ “( رواه أبو داود)، وقال أيضا :” مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ”(عند مسلم).
بل أمر صلى الله عليه وسلم الأمة أن لا تقبل في وسطها من يدعو للعنصرية والعصبية، حتى لا يكون أثره سلباً على الأمة، وتجد دعوته أذنا صاغية، فيفسد إجماع الكلمة ويفت في عضد الوحدة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ” من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا” (عند النسائي وأحمد) أي اسمعوه كلاماً مستقبحاً يردعه عن غيه.
فالمجتمع المسلم عليه أن يطهر نفسه من دعاة العنصرية، وأصحاب النزعة الجهوية، كما يجب أن يكون متماسكاً يشدُّ بعضه بعضاً، يسعى فيه كل فرد لرفعة المجتمع، وهو يدرك أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم.
وخلاصة الأمر أنّ القبلية والعنصرية، متى ما تحوّلتا إلى خطابٍ متداول ، لم تعودا انحرافا فكرياً فحسب، بل غدتا تهديدا لبنية المجتمع وأمنه المعنوي. ومن ثمّ، فإن مقاومتهما ليست خيارا أخلاقياً ثانويا ، بل واجب شرعي، ومسؤولية حضارية.
وختاماً…
ليست الكلمة لفظا يلقى ثم ينقضي أثره، بل بذرة تُغرس في العقول، وقد تمتد جذورها في واقع الناس.
فمن أطلقها بغير بصيرة، ربما أشعل بها نزاعا لا يخبو،
ومن روّج بها عصبية، فقد يفتح باب فتنة لا يُغلق.
فليتأمّل كل قائل ما يبذر، فإنّ حصاد القول ليس لحظة عابرة… بل مصير يتشكل ، وقد يكون شقاقاً مقيما ووزراً لا ينقضي.
هذا مع كامل الود






