مقالات

إسماعيل شريف يكتب : السودان خارج أولويات ترامب

خرطوم سبورت

 

السودان خارج أولويات ترامب

اسماعيل شريف

يبدو ان السودان يحلق بعيداً عن دائرة الاهتمام المباشر للإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، التي أعادت ترتيب أولوياتها الخارجية وفق معادلات جديدة تقوم على المصالح السريعة والصفقات المباشرة، لا على الانخراط الطويل في الأزمات المعقدة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى ملفات تعتبرها أكثر أهمية وإلحاحاً من الأزمة السودانية، وفي مقدمتها الصراع الاقتصادي والاستراتيجي مع الصين، ومحاولات استعادة النفوذ الأمريكي في أمريكا الجنوبية، إلى جانب ملفات الخليج والتوتر مع إيران، والمواجهة المفتوحة مع روسيا في أكثر من ساحة دولية. كما برزت قضايا جديدة ذات طبيعة جيوسياسية واقتصادية مثل الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمناطق القطبية وملف جرينلاند، باعتبارها جزءاً من صراع النفوذ العالمي المستقبلي.
وسط هذه الأولويات، لا يبدو السودان بالنسبة لواشنطن سوى ملف معقد ومفتوح على احتمالات مكلفة، خاصة في ظل الحرب الدائرة والتداخلات الإقليمية والقبلية والسياسية التي تجعل أي تدخل مباشر محفوفاً بالمخاطر.
إدارة ترامب تختلف في منهجها عن الإدارات الأمريكية التقليدية، فهي تميل إلى سياسة “الصفقات السريعة” القائمة على تحقيق مكاسب واضحة بأقل تكلفة ممكنة. ولذلك تبدو أقل حماساً للدخول في نزاعات طويلة أو مشاريع إعادة بناء دول تعاني من الانقسامات الداخلية، كما هو الحال في السودان.
ومن زاوية أخرى، تدرك واشنطن أن أي انخراط مباشر وواسع في الأزمة السودانية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يسهم في توحيد قطاعات واسعة من السودانيين ضد الولايات المتحدة نفسها، خاصة في ظل الحساسية التاريخية تجاه التدخلات الخارجية، وتنامي الخطاب الرافض لأي وصاية دولية على القرار الوطني.
كما أن هناك من يرى أن الولايات المتحدة كانت جزءاً من المشهد الذي قاد إلى تعقيد الأزمة السودانية، عبر محاولاتها المتكررة لدعم تيار سياسي بعينه يتمثل في قوى الحرية والتغيير، وتقديمه باعتباره الممثل المدني الأوحد للسودانيين، رغم التباينات الواسعة داخل المجتمع السوداني واختلاف رؤاه السياسية والاجتماعية.
ويذهب هذا الرأي إلى أن واشنطن سعت، بصورة أو بأخرى، إلى تحجيم دور المؤسسة العسكرية في السودان، باعتبارها عقبة أمام مشروع التحول السياسي الذي كانت تدعمه، دون أن تضع في الحسبان طبيعة التركيبة السودانية وتعقيدات الواقع الأمني والاجتماعي، الأمر الذي ساهم في زيادة حالة الاستقطاب والانقسام.
وفي جانب آخر، يعتقد كثير من المراقبين أن الاهتمام الأمريكي بالسودان ظل مرتبطاً في جانب منه بالموارد والثروات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها البلد، سواء في مجالات المعادن أو الأراضي الزراعية أو الموقع الجغرافي الاستراتيجي. لكن هذا الاهتمام – بحسب منتقدي السياسة الأمريكية – لم ينعكس يوماً في مشاريع تنموية حقيقية، بل ظل السودان يُنظر إليه باعتباره مخزوناً استراتيجياً يمكن الاستفادة منه مستقبلاً وفقاً للمصالح الأمريكية.
الحرب الحالية كشفت بوضوح أن القوى الدولية، مهما أظهرت من اهتمام أو تصريحات، تتحرك وفق حسابات مصالحها أولاً، وليس وفق احتياجات الشعوب المنكوبة. ولذلك فإن التعويل الكامل على الدور الأمريكي أو الدولي لحل الأزمة السودانية قد لا يكون رهاناً مضمون النتائج.
إن إنهاء الحرب في السودان يتطلب قبل كل شيء إرادة سودانية داخلية، تقوم على الحوار والتوافق الوطني والابتعاد عن الارتهان للمحاور الخارجية. فالتجارب أثبتت أن الحلول المستوردة غالباً ما تكون مؤقتة أو مرتبطة بأجندات لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة السودان واستقراره.
وفي ظل عالم تحكمه المصالح المتغيرة، ربما يكون الدرس الأهم للسودانيين اليوم هو أن بناء السلام الحقيقي لن يأتي من واشنطن أو غيرها، بل من قدرة السودانيين أنفسهم على تقديم تنازلات وطنية، وإعادة صياغة مشروع جامع ينقذ البلاد من الحرب والانقسام والانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى