مقالات

إسماعيل شريف يكتب : مسعد بولس.. هل يملك مفاتيح السلام في السودان؟

خرطوم سبورت

 

إسماعيل شريف يكتب : مسعد بولس.. هل يملك مفاتيح السلام في السودان؟

 

اسماعيل شريف

 

في خضم التعقيدات المتشابكة التي تحيط بالأزمة السودانية، برز اسم مسعد بولس كأحد الوجوه الجديدة التي تسعى الإدارة الأمريكية للدفع بها نحو ملفات النزاعات المعقدة، وعلى رأسها الحرب الدائرة في السودان. وبين التفاؤل الحذر والشكوك العميقة، يثور سؤال مهم: هل يمتلك الرجل فعلاً القدرة والصلاحيات الكافية لدفع أطراف الصراع السوداني نحو السلام؟

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ظلت الولايات المتحدة حاضرة في المشهد السياسي والدبلوماسي، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق اختراق حقيقي يقود إلى وقف دائم لإطلاق النار أو تسوية سياسية شاملة. ومع تصاعد الضغوط الإنسانية وتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من اتساع دائرة الحرب، بدأت واشنطن في إعادة ترتيب أدواتها وتحركاتها، وهو ما منح مسعد بولس دوراً متقدماً في هذا الملف.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تراهن على خبرة بولس في إدارة الملفات الحساسة وقدرته على بناء قنوات اتصال مع أطراف متعددة، سواء داخل السودان أو خارجه. فالرجل يتحرك في مساحة معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، بدءاً من دول الجوار السوداني، مروراً بالقوى الخليجية، وانتهاءً بالتوازنات داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.

ورغم أن بولس لا يشغل منصباً تنفيذياً مباشراً داخل وزارة الخارجية الأمريكية، إلا أن قربه من دوائر القرار في البيت الأبيض يمنحه ثقلاً سياسياً مؤثراً، خاصة في ما يتعلق بتنسيق الرؤية الأمريكية تجاه الأزمات الخارجية. غير أن هذا النفوذ يظل مقيداً بطبيعة النظام السياسي الأمريكي، حيث تتوزع صلاحيات إدارة الملفات الخارجية بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس والمؤسسات الأمنية.

وتشير تحركات بولس الأخيرة إلى محاولة بناء مقاربة جديدة للأزمة السودانية تقوم على توسيع دائرة الحوار وعدم الاكتفاء بالمسارات التقليدية التي أثبتت محدوديتها خلال الفترة الماضية. فقد كثف لقاءاته مع مسؤولين إقليميين ودوليين، كما أجرى اتصالات مع شخصيات سودانية مدنية وسياسية في محاولة لاستكشاف فرص التهدئة وإحياء العملية السياسية.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه يتمثل في غياب الثقة بين أطراف النزاع، إلى جانب تشابك المصالح الخارجية الداعمة لهذا الطرف أو ذاك. فالحرب في السودان لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي معقد، الأمر الذي يجعل أي مبادرة سلام رهينة لتوافقات تتجاوز الإرادة السودانية وحدها.

كما أن الواقع الميداني يفرض معادلات قاسية على أي جهود دبلوماسية. فاستمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الانتهاكات الإنسانية والانهيار الاقتصادي يجعل فرص التسوية أكثر صعوبة، خاصة في ظل غياب قيادة سياسية مدنية موحدة تستطيع مخاطبة المجتمع الدولي وتمثيل تطلعات السودانيين بشكل جامع.

ويرى مراقبون أن نجاح مسعد بولس في تحقيق اختراق حقيقي يتوقف على عدة عوامل، أبرزها مدى استعداد واشنطن لاستخدام أدوات ضغط أكثر فاعلية على أطراف الحرب وحلفائهم الإقليميين، إضافة إلى قدرتها على التنسيق مع المبادرات الأخرى التي تقودها أطراف مثل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية.

وفي المقابل، يعتقد آخرون أن التحركات الأمريكية ـ مهما بلغت قوتها ـ لن تنجح ما لم تتوفر إرادة سودانية داخلية حقيقية لإنهاء الحرب، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول المفروضة من الخارج غالباً ما تكون هشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار.

ومع ذلك، فإن دخول شخصيات جديدة إلى خط الوساطة قد يمنح الملف السوداني زخماً سياسياً ودبلوماسياً جديداً، خاصة إذا ارتبط ذلك بتحرك دولي أكثر جدية لمعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة والضغط نحو وقف إطلاق النار.

يبقى مسعد بولس أمام اختبار بالغ التعقيد؛ فالسودان اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل دولة تواجه خطر التفكك والانهيار الكامل. وبين حدود النفوذ الأمريكي وتشابكات الواقع السوداني، ستظل فرص السلام مرتبطة بمدى قدرة جميع الأطراف على تقديم مصلحة الوطن على حساب رهانات السلاح والحسابات الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى