
خيوط الأقطان المتشابكة (٣)
غسيل أموال وموظفون يبتلعون عرق مزارعي الجزيرة والرهد في حساباتهم الشخصية.
رشان أوشي
بينما يكابد المزارع السوداني في حقول الجزيرة والرهد وحلفا قسوة الحرب التي تنهش جسد الاقتصاد الوطني، وتستنزف الأخضر واليابس، تكشف الحلقة الثالثة من مقالنا هذا عبر معلومات موثقة من داخل “شركة السودان للأقطان المحدودة” عن وقائع تقشعر لها الأبدان؛ حيث تحولت المؤسسة الوطنية العريقة إلى ساحة لشرعنة الفساد وتجاوز كافة الخطوط الحمراء.
من اخطر الوقائع التي كشفتها الوثائق كانت توريد إيرادات الشركة (إيجارات وعمليات قطن) في حسابات شخصية لعدد من العاملين بتوجيه مباشر من الإدارة، المستندات تتحدث عن (مليار و317 مليون و400 ألف)جنيه، وُزعت كالتالي: مدير العلاقات العامة ،استقبل في حسابه الشخصي مبلغ 555.8 مليون جنيه. رئيس قسم الحسابات استقر في حسابه الشخصي مبلغ 660.5 مليون جنيه، موظف في الشؤون الإدارية نال نصيباً قدره 61 مليون جنيه، رئيس قسم الصادر استلم مبلغ 40 مليون جنيه.
هذه الأموال، وبدلاً من دخول الخزينة العامة، صُرفت بتوجيهات الادارة على مأموريات خارجية وتأسيس شركات في دبي وعمان، بعيداً عن أعين المراجعة الداخلية وخارج الدورة المستندية الرسمية، مما يقطع الشك باليقين حول جريمة استغلال النفوذ من اجل التربح الشخصي تحت غطاء سلطات الوظيفة العامة.
والأزمة الكبرى تكمن في إدارة الشركة نفسها ؛ فمنذ عام 2015 لم تنعقد جمعية عمومية، مما جعل مجلس الإدارة الحالي جسم فاقد للمشروعية القانونية.بينما تتمسك الإدارة بقرار وزير التجارة الأسبق رقم (3) لسنة 2023، رغم ان المراجع العام قال : “لجنة التسيير تظل لجنة تسيير ولا تتحول إلى مجلس إدارة نهائياً”.
والأكثر فظاعة، هو تضارب بيانات الشركة لدى المسجل التجاري،
حيث وُجدت إفادات غير صحيحة بتوقيع المستشار العام ورئيس مجلس الإدارة، تزعم عدم طرح أسهم للاكتتاب، في تعدي واضح على حقوق المساهمين الأصليين من مزارعي الأقاليم المنتجة وصندوق المعاشات، مما يكشف عن تزييف ممنهج لواقع الشركة المؤسسي.
لم يتوقف الأمر عند سوء الإدارة، بل وصل إلى الاعتداء المباشر على المال العام ، حيث تفيد المستندات ان الاعتداءات النقدية فقط خلال الفترة من فبراير إلى ديسمبر 2025 بلغت (290.9 )مليون جنيه سوداني،(529.5 )ألف درهم إماراتي،(3,000)دولار أمريكي. بالإضافة إلى مخالفات إدارية جسيمة شملت: تمليك عربة بطريقة غير قانونية للمدير العام السابق، خلق وظيفة “وهمية” وهي :(مستشار مجلس الإدارة).
إن ما يحدث في شركة الأقطان هو اغتيال متعمد لواحد من أهم أعمدة الاقتصاد السوداني. لا يوجد تبريرات مهما كانت تمنح الحق في تحويل أموال الشعب إلى حسابات أفراد.
إذا نحن أمام شبكة مصالح تتغذى على غياب الرقابة والمحاسبة، والكرة الآن في ملعب نيابة المال العام؛ هل تسترد حقوق المزارعين ، وتحاسب المتورطين أم تظل “شركة السودان للاقطان مرتعاً للمفسدين؟.
محبتي واحترامي






