
نزيف الرمل والروح – غرب كردفان انموذجا(2)
*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك-جامعة غرب كردفان*
صباح الواعين الذين لا تمر عليهم الأيام سدى الذين يحوّلون التجارب إلى معين لا ينضب من الحكمة، والعثرات إلى نور ساطع يهديهم إلى طريق أكثر اتزانا ونضجا.
“عطفا على المقال السابق”
إن أخطر ما تصنعه الفتن أنها لا تكتفي بتمزيق الجغرافيا بل تعبث بالبنية العميقة للإنسان فتجعل الأخ يخشى أخاه والجار يتحسس خطاه وتزرع في النفوس قلقا دائما يفقد المجتمع قدرته على الاطمئنان. وما المجتمعات إلا أرواح متجاورة، فإذا تصدعت الأرواح لم تجد وفرة الموارد، ولم تنفع الشعارات الكبيرة.
لقد عرفت غرب كردفان عبر تاريخها الطويل بأنها فضاء رحب للتعايش، تتجاور فيها القبائل كما تتجاور الأشجار على ضفاف الخيران تختلف أشكالها لكن جذورها تشرب من تربة واحدة. فالرعاة والمزارعون وأهل البادية والحضر نسجوا عبر العقود علاقات مصاهرة ومصالح ومواقف إنسانية صنعت ذاكرة جمعية عصية على التلاشي. ولهذا فإن أي خطاب يسعى إلى اقتلاع هذه الروابط إنما يعتدي على التاريخ قبل الإنسان.
إن التعايش السلمي هنا ليس شعارا سياسيا يرفع في المواسم، فهو ثقافة أخلاقية تبدأ من طريقة الحديث عن الآخر، ومن احترام حقوقه في الوجود والاختلاف، ومن الإيمان بأن الأوطان لا تبنى بالغلبة وإنما بالشراكة. فالأرض التي تتسع لأقدام الجميع تتسع كذلك لأحلامهم وآمالهم إذا صدقت النيات وسلمت الصدور.
ولعل من المؤلم أن بعض الأصوات دفعت بالأجيال الجديدة إلى تبني تصورات مشوهة عن الآخر حتى صار الانتماء القبلي عند البعض مقدما على الانتماء الإنساني والوطني. وهذه من أخطر صور الانحدار الفكري لأن القبيلة في أصلها إطار للتكافل والتراحم، لا معبرا للكراهية أو وسيلة لإلغاء الناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»، وهي قاعدة أخلاقية كبرى تؤسس لمجتمع تصان فيه الكرامة الإنسانية دون تمييز أو استعلاء.
إن المجتمعات التي تعبر أزماتها بسلام ليست تلك التي تخلو من الخلافات ولكن هى التي تمتلك حكمة إدارتها دون سقوط في هاوية الانتقام. فالتسامح ليس ضعفا، وإنما قوة أخلاقية تحفظ للمجتمع توازنه، وتمنع الجراح من التحول إلى ميراث ثقيل تتناقله الأجيال.
كما أن المسؤولية الكبرى اليوم تقع على العلماء والمثقفين والإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية لأن الكلمة قد تصبح باب نجاة وقد تتحول إلى معول يهدم ما تبقى من الجسور. فالانسان المتعلم الواعي والمثقف الحقيقي ليس من يؤجج الانقسام فهو من ينحاز إلى مصلحة الأمة و الوطن، ويعيد للعقول رشدها، وللنفوس صفاءها.
إن غرب كردفان لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات بقدر حاجتها إلى مشروع إنساني يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ويرسخ ثقافة الاعتذار ويغرس في الأجيال أن التنوع ليس لعنة بل ثراء حضاري وروحي. فالقبائل التي اقتسمت الماء والزاد، وتساندت في الأفراح والأتراح، قادرة على أن تستعيد صورتها الجميلة متى ما غلّبت صوت الحكمة على نوازع الفرقة.
وفي ختام هذا الحديث يبقى الأمل معقودا على وعي الناس، فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، فهى محروسة بالقلوب النقية المتسامحة والضمائر الحية والقدرة على تجاوز المرارات من أجل مستقبل أكثر رحمة واتساعًا. وستظل غرب كردفان، رغم ما أصابها، أرضا جديرة بالحياة متى ما أدرك أبناؤها أن الإنسان هو الثروة الحقيقية وأن السلام ليس ترفا فكريا فهو ضرورة لبقاء الجميع تحت سماء واحدة ووطن واحد.
هذا مع كامل الود






