في حب الوطن ودعوة العودة كلمة إلى كل سوداني غادر وكل سوداني تردد بقلم دكتور محمد عيساوي
خرطوم سبورت

في حب الوطن ودعوة العودة
كلمة إلى كل سوداني غادر وكل سوداني تردد
بقلم دكتور محمد عيساوي
أيها السوداني الذي فقد كل شيء، لقد عاش وطننا حرباً مدمرة استمرت منذ أبريل 2023، ولا تزال آثارها تخيم على كل شبر من أرضنا الطيبة. لقد فقد الكثيرون ديارهم، وأموالهم، وأحلامهم، وربما فقد البعض أقرب الناس إليه. وفي ظل هذا الدمار الذي طال كل المرافق الحيوية للدولة، من المفهوم تماماً أن يفقد الإنسان الرغبة في العودة إلى مكان يحمل ذكريات الألم والخسارة.
لكن دعني أقول لك شيئاً:
الوطن ليس مجرد بيوت وشوارع ومؤسسات. الوطن هو ذاكرة مشتركة، هو هوية جماعية، هو الأرض التي تربطنا بجذورنا وتحمل في طياتها تاريخاً من النضال والكرامة. السودان الذي نعرفه هو بلد النيلين، بلد الطيبة والكرم، بلد يمتد تاريخه لآلاف السنين وشهد حضارات عظيمة. هذا الوطن لا يمكن أن يموت بمجرد دمار المباني، فهو يعيش فينا ونحن نعيش فيه.
الوطن لا يبنيه إلا بنوه.
هذه ليست مجرد عبارة رنانة، بل هي حقيقة تاريخية عاشها شعبنا مراراً. فمنذ الاستقلال في عام 1956، مر السودان بتحديات جسام، من حروب أهلية إلى انقلابات عسكرية، إلى أزمات اقتصادية، ومع ذلك ظل شعبنا صامداً، يعود ويبني من جديد. لم يكن ذلك بفضل قوات مسلحة أو حكومات، بل بفضل إرادة المواطن العادي الذي رفض أن يستسلم لليأس.
اليوم، وقد انحسرت المعارك ، نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية حاسمة. لحظة تتطلب منا أن نختار بين أن نكون ضحايا دائمين للحرب، أو أن نكون بناة المستقبل. العودة ليست مجرد رجوع جسدي إلى أرض، بل هي إعلان رفض للهزيمة، وتأكيد على الحياة، واستثمار في الغد.
أعرف أن العودة صعبة. أعرف أن البعض فقد كل ما يملك وأن البنية التحتية مدمرة. أعرف أن المستشفيات تعرضت للدمار، والمدارس أغلقت أبوابها، والشوارع تحتاج لإعادة بناء. لكن دعني أسألك: من سيبنيها إذا لم نبنِها نحن؟ من سيعيد فتح المدارس إذا لم نكن نحن من يقف في صفوفها؟ من سيعيد تشغيل المستشفيات إذا لم نكن نحن من يعمل فيها؟
العودة هي فعل مقاومة. هي رفض لمنطق الحرب الذي يريد أن يحولنا إلى لاجئين دائمين في أرض الغربة. هي تأكيد على أننا أصحاب هذا الوطن وأننا لن نتخلى عنه مهما كانت التضحيات.
لكن العودة وحدها لا تكفي. يجب أن تكون العودة مرفقة بعزيمة على البناء المشترك. يجب أن نتجاوز خلافاتنا السياسية والإثنية والجهوية، وأن نتذكر أننا جميعاً سودانيون قبل أي شيء. يجب أن نعمل على إعادة بناء ما دمرته الحرب، ليس بالأموال فقط، بل بالعلم، والعمل، والتضامن، والصبر.
إن السودان يحتاجك الآن أكثر من أي وقت مضى. يحتاج كفاءاتك العلمية، وخبراتك المهنية، وطاقتك الإنسانية. يحتاج من يعيد بناء المستشفيات، ويصلح شبكات الكهرباء والمياه، ويرمم المدارس، ويفتح الأسواق، ويزرع الأرض. يحتاج من يحمل روح الأمل في قلبه رغم كل شيء.
أيها السوداني في المهجر، أعلم أن الأمل قد يبدو بعيداً، لكن تذكر أن شعبنا عاش أصعب الظروف وخرج منها أقوى. تذكر أن أجدادنا واجهوا الاستعمار وانتصروا، وواجهوا الأوبئة والمجاعات وصمدوا. نحن أبناء هذا الشعب العظيم، ونحن قادرون على تجاوز هذه اللحظة الصعبة.
العودة ليست خسارة، بل هي ربح. ربح للوطن وربح لك. فالوطن يمنحك الهوية والانتماء والكرامة، ولا يمكن أن تجد ذلك في أرض الغربة مهما كان رخاؤها. والوطن يحتاجك ليمنحك في المقابل مستقبلاً تبنيه بيديك.
فلنعد، ولنبنِ معاً. لنبني سوداناً جديداً، سوداناً يتجاوز آلام الماضي وينظر إلى المستقبل بعيون مليئة بالأمل. سوداناً يحترم فيه الإنسان، ويتساوى فيه الجميع، ويعمل فيه كل مواطن لرفعة بلده.
الوطن يناديك. هل من مجيب؟
«إنما الوطن أرض تسكنها، لكنه أيضاً أرض تسكن فيك. فإذا غادرته، غادرك جزء منك. وإذا عدت إليه، عدت إلي ذاتك.»











