مقالات

عثمان ميرغني يكتب ما هو اسم رئيس جمهورية السودان؟

خرطوم سبورت

 

عثمان ميرغني يكتب ما هو اسم رئيس جمهورية السودان؟

عثمان ميرغني

طالب جامعي في حافلة المواصلات عائدًا إلى المنزل.. يمسك بمجلة ثقافية يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة. التفت إلى الراكب الذي يجلس بجواره وسأله:�(ما اسم رئيس جمهورية السودان الذي يحكم حاليًا؟) ثم أضاف للتسهيل: (مكون من أربعة أحرف).
هذه الصورة التخيلية أقصد بها أن هذا الطالب الجامعي لم يجد حاجة أو دافعًا ليرهق نفسه بمعرفة اسم رئيس الجمهورية الذي يحكم بلده. ليست تجاهلاً ولا استنكافًا، بل لأن حياته ونشاطه ومطالبه لا تحتاج منه معرفة اسم الرئيس، ولا حتى اسم وزير التعليم العالي.. وربما ولا اسم مدير الجامعة، ولا حتى عميد الكلية التي يدرس فيها.
بمنطق القاعدة الأمنية الشهيرة: (المعرفة بقدر الحاجة). فطالما أن حياته تسير بيسر، وطلباته مستوفاة في الحد الإداري الأدنى في الجامعة أو الحي الذي يسكن فيه، فلماذا يرهق نفسه بمعرفة أسماء “موظفين” مهما علت وسمت درجاتهم في الدولة، وهو لا يحتاج إليهم ليلومهم أو يشكرهم أو يمجدهم أو ينتقدهم؟
هذه الصورة التخيلية ليست كاريكاتيرية، ولا أقصد بها السخرية، بل هي محاولة لمعالجة خلل عميق يمسك بتلابيب الدولة السودانية منذ نشأتها الأولى.

عندما تجري في البلاد انتخابات عامة، كما حدث في الأعوام (1953-1958-1965-1968-1986)، يتابع الناس تفاصيلها بحماس واهتمام كبير، خاصة عند إعلان النتائج. يلتف المواطنون حول المذياع أو التلفزيون، ويفرحون إذا فاز المرشح الذي صوتوا له.. ثم ينتهي كل شيء. دورة برلمانية كاملة تمضي، ولا ينتظر المواطن من المرشح أي إنجاز، ولا يثقل المرشح عقله بالتفكير في أعمال هو مطالب بها.
ينطبق ذلك على كل هياكل الدولة. لا رئيس الجمهورية مطالب بمطالب حقيقية، ولا الوزير، ولا أي مستوى إداري. فتتحول السلطة إلى جاه وفخامة تشريفًا لا تكليفًا.

لكن تصور معي سيناريو آخر:
الطالب في الشهادة الثانوية السودانية يجلس لـ7 امتحانات.�متوسط عدد الأسئلة في كل ورقة حوالي 30 سؤالاً، يجيب عليها في 3 ساعات. أي ما يعادل 210 أسئلة تقريبًا.�الامتحانات تستغرق حوالي أسبوعين،�عدد الممتحنين حوالي 500 ألف طالب،�يستمر تصحيح الامتحانات حوالي شهرين،�ثم تعلن النتيجة، وتستمر إجراءات القبول في الجامعات لعدة أشهر أخرى.
ومع كل هذا…
تعقد امتحانات الشهادة السودانية كل سنة بانتظام،�دون أن تتوقف حركة المرور،�ولا تعلن الدولة أيام الامتحانات عطلة رسمية،�ولا يشعر معظم المواطنين بها إلا إذا كان عندهم طالب في البيت.
قارنوا ذلك بـ:
الانتخابات:�سؤال واحد فقط..�ورقة إجابة فيها خيار واحد فقط..�تحتاج دقيقة واحدة للإجابة وتسليم الورقة.. والنتيجة تظهر في نفس اليوم.
فلماذا لا نجري انتخابات رئاسية كل سنة.. ونصبح مثل سويسرا التي تختار رئيسًا جديدًا كل سنة؟

عندما تصبح دورة المسؤول (من الرئيس إلى الوزراء) قصيرة وتنتهي بامتحان حقيقي، فإن أي مسؤول سيجد نفسه أمام تكليف كبير. إذا استطاع خلال عام واحد أن يرفع من أدائه إلى الدرجة التي تجعل المواطن يحس بإنجازاته، فمن الممكن أن يحظى بتفويض وإعادة انتخاب لدورة جديدة. وإذا لم يستطع إقناع المواطن بما يقدمه من عمل، فسيطويه النسيان في أول انتخابات — بعد سنة واحدة فقط.
سيكون السؤال المنطقي: من الذي يعد الأسئلة (أي الأعمال والمؤشرات) التي يُطالب المسؤول بإثبات جدارته في إنجازها؟
هنا مربط الفرس.�لن يكون مطلوبا من الرئيس أو الوزير أن يعد مشاريع أو خططا. يتولى ذلك المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي، ليكون الجهة المرجعية الثابتة في الدولة التي تضع الخطط والمشاريع، ولا يتبقى للمسؤول التنفيذي إلا خياران: إما أن ينفذ.. أو يغادر المنصب.
عندها سيصبح خيارا صعبا على أي مواطن أن يرشح نفسه لمنصب دستوري.

#حديث_المدينة الأحد 31 مايو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى