
أماني الطويل.. تكتب وتغلق التعليقات
إسماعيل شريف
في خضم الجدل الذي أعقب حادثة مقتل وإصابة عدد من المعدنين السودانيين على الحدود المصرية السودانية، اختارت الدكتورة أماني الطويل أن تتحدث بلغة مختلفة؛ لغة تتجاوز الانحياز للروايات المتقابلة إلى البحث عن جوهر القضية نفسها.
لم تنشغل الباحثة المصرية المعروفة بتحديد من كان على حق ومن كان على خطأ، ولم تدخل في سجال الروايات المتناقضة حول طبيعة المجموعة التي كانت تتحرك في المنطقة الحدودية، وإنما وضعت إصبعها على سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن حماية الحدود والثروات الوطنية دون أن يصبح الإنسان هو الخسارة الأولى في المعادلة؟
حين تقول أماني الطويل إن حياة البشر مهمة “مصريين كانوا أو غير مصريين”، فإنها لا تقدم خطاباً عاطفياً بقدر ما تعيد التذكير بحقيقة كثيراً ما تضيع وسط ضجيج الأمن والسياسة. فالدول تقاس بقدرتها على حماية حدودها، لكنها تقاس أيضاً بقدرتها على حماية قيمة الحياة الإنسانية.
الأهمية الحقيقية لما كتبته الطويل تكمن في أنها تربط حادثة اليوم بتحولات أوسع تشهدها المنطقة والعالم. فالفواعل من غير الدول لم تعد مجرد مجموعات بدائية الحركة محدودة الإمكانات، بل أصبحت تمتلك قدرات متطورة في التنقل والتمويل والتخفي واستخدام التكنولوجيا. وهذا يعني أن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية وحدها، وأن مفهوم الأمن نفسه يحتاج إلى مراجعة مستمرة.
في هذا السياق يبدو تحذيرها من الاعتماد على القوة الصلبة وحدها تحذيراً يستحق التوقف عنده. فالتحديات الأمنية الحديثة لا تواجه فقط بالسلاح، وإنما أيضاً بالمراقبة التقنية والإنذار المبكر والطائرات المسيرة وأنظمة الرصد الحديثة والتنسيق الاستخباري وآليات الاحتواء السريع. وهي أدوات تحقق الهدف الأمني ذاته ولكن بكلفة إنسانية أقل.
الحدود بين مصر والسودان ليست مجرد خطوط جغرافية جامدة، بل فضاء معقد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية وحركة التعدين التقليدي ومسارات التجارة والتهريب والهجرة. ولهذا فإن أي مقاربة أمنية لا تأخذ هذا التعقيد في الاعتبار قد تنتج أزمات جديدة حتى وهي تحاول معالجة أزمات قائمة.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الضمنية التي أرادت أماني الطويل إيصالها. فالأمن ضرورة لا جدال حولها، لكن فعالية الأمن لا تقاس بعدد الطلقات التي تطلق، وإنما بقدرته على تحقيق أهدافه بأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية. وهذه ليست رؤية مثالية أو حالمة، بل هي الاتجاه الذي تتبناه كثير من العقائد الأمنية الحديثة في العالم.
كما أن حديثها عن “المتربصين الكثر” يحمل دلالة أخرى لا تقل أهمية. فالمنطقة تمر بمرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، والحرب في السودان وما أفرزته من تحركات سكانية وأمنية واقتصادية خلقت واقعاً جديداً على الحدود. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأخطاء الفردية أو التقديرات الميدانية غير الدقيقة قادرة على إحداث أضرار سياسية وإعلامية تتجاوز حجم الحدث نفسه.
لذلك فإن قراءة تصريحات أماني الطويل باعتبارها دفاعاً عن طرف ضد آخر تبدو قراءة قاصرة. فالمرأة التي تابعت لسنوات ملفات السودان والقرن الأفريقي تتحدث هنا من زاوية استراتيجية أوسع؛ زاوية ترى أن الأمن الحقيقي هو الذي يحمي الدولة ويحفظ الإنسان في آن واحد.
ربما كان أهم ما في رسالتها أنها تدعو إلى التفكير في المستقبل بدلاً من الغرق في تفاصيل الواقعة وحدها. فالسؤال ليس ماذا حدث فقط، بل كيف نمنع تكراره؟ وكيف يمكن تطوير آليات أكثر ذكاءً ومرونة للتعامل مع الحدود والمناطق الهشة؟ وكيف يمكن للدولتين، مصر والسودان، أن تحولا المناطق الحدودية من بؤر توتر محتملة إلى مساحات للتنسيق والتكامل؟
هذه الأسئلة هي جوهر ما أرادت أماني الطويل قوله. وهي أسئلة تستحق أن تؤخذ بجدية كاملة، لأن حماية الحدود لا تتعارض مع حماية الإنسان، بل إن نجاح الأولى بات مرهوناً أكثر من أي وقت مضى بالقدرة على تحقيق الثانية.











