الاخبار

خطوة جريئة من بنك السودان المركزي!

خرطوم سبورت

 

خطوة جريئة من بنك السودان المركزي!
عزمي عبد الرازق
كثيرون مرّوا على منشور بنك السودان المركزي الأخير مروراً عابراً، وربما لم ينتبهوا إلى خطورة ما يحمله من تغييرات في سياسة سعر الصرف. وبقدر ما تابعت، لم أقرأ حتى الآن تحليلاً اقتصادياً تناول المنشور بالجدية التي يستحقها، رغم أنني أعتقد أنه واحد من أكثر المنشورات جرأة وحساسية خلال الفترة الأخيرة.
رسميا تم السماح للمصارف_ وفقاً للمنشور_ بتعديل أسعار الصرف في أي وقت خلال اليوم، وربط ذلك صراحة بقوى العرض والطلب، أي أنه يُسمح لأي بنك بتعديل أسعار شراء وبيع العملات الأجنبية في أي وقت خلال اليوم حسب حركة السوق، بشرط أن يعلن السعر الجديد على لوحة الأسعار قبل التطبيق. إلى جانب رفع بعض القيود السابقة والسماح للمصارف التجارية بشراء حصائل الصادر، وفقًا لأسعارها المعلنة، ما يعني عملياً توسيع مساحة السوق في تحديد السعر.
وهنا تكمن أهمية الخطوة وخطورتها في الوقت نفسه، لأن الجنيه السوداني كان يُدار خلال الفترة الماضية وفق سياسة يمكن وصفها بأنها إدارة مرنة لسعر الصرف، يتدخل فيها البنك المركزي بدرجات مختلفة لتحقيق قدر من الاستقرار. أما المنشور الجديد، فيدفع بالسوق خطوة إضافية نحو ترك سعر الصرف لقوى العرض والطلب، وهو ما قد يكون تمهيداً لتعويم أوسع وأكثر شمولاً للجنيه، حتى وإن لم يستخدم المنشور صراحة مصطلح «التعويم».
منذ أمس، ظهرت مؤشرات على تزايد حالة التذبذب في أسعار العملات الأجنبية، ليس فقط الدولار، وإنما أيضاً الريال السعودي والدرهم الإماراتي والجنيه المصري. وهذه التذبذبات، في تقديري، تكشف أن السوق بدأ يحاول اكتشاف السعر الجديد وفق للتطورات الجديدة، وأن مرحلة ما بعد المنشور قد لا تكون شبيهة تماماً بما قبلها.
لكن السؤال البدهي هنا ليس لماذا فعل بنك السودان ذلك؟ وإنما وهذا هو السؤال المهم: ماذا يملك البنك المركزي حتى يقدم على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟
يبدو لي أن محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني ما كان لها أن تلجأ إلى خطوة بهذه الجرأة، في ظل سوق شديد الحساسية للعملات الأجنبية، واقتصاد في مرحلة تعافي، ما لم تكن هناك قراءة واضحة لموقف الاحتياطي النقدي وقدرة البنك على التدخل عند الضرورة، خصوصاً وأن البنك المركزي بدا عمليات ضخ كمية من الأموال بالدرهم الإماراتي، ثم توقف بعدها، واتخذ أيضاً إجراءات قال لها إنها جاءت في إطار توحيد سعر الصرف المطبق على عمليات تمويل طلبات الاستيراد.
ربما يكون أحد الاحتمالين قائماً، إما أن البنك المركزي لديه احتياطي معتبر من العملات الأجنبية يسمح له بامتصاص الصدمات والتدخل متى ما تجاوز السوق الحدود المقبولة، أو أن لديه مخزوناً كبيراً من الذهب أو أصولاً يمكن توظيفها لتوفير السيولة بالنقد الأجنبي عند الحاجة.
وهذا تحديداً هو الجزء الذي يحتاج إلى إجابة واضحة من بنك السودان، فالتعويم، أو الاقتراب منه، ليس قراراً إدارياً بسيطاً، إنه بالضبط رهان الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي من الصادرات والتحويلات والاستثمارات والإنتاج، وعلى قدرة البنك المركزي على منع السوق من الانفلات إذا حدثت موجة طلب مفاجئة، تحديداً من تجار الوقود، وبعض الموردين الكبار.
إذا كان البنك المركزي قد اتخذ هذه الخطوة وهو يمتلك أدوات قوية للتدخل، فإننا أمام إعادة ترتيب مدروسة لسوق النقد الأجنبي قد تساعد، على المدى المتوسط، في تقليص الفجوة بين الأسعار وتحسين آليات السوق، أما إذا كانت الخطوة قد اتُخذت في ظل احتياطي ضعيف ودون شبكة أمان كافية، فإن المخاطر ستكون كبيرة، وقد يتحول تحرير السعر من أداة للإصلاح إلى وقود لموجة جديدة من التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه، والأخير ما ناقص مجازفات.
المنشور دا معناه، أن البنك المركزي، عملياً، بيقول للمصارف والسوق، حددوا السعر وفق العرض والطلب، ويمكنكم تعديله خلال اليوم. وهذه تعتبر إشارة قوية إلى أن السودان يقترب من مرحلة جديدة في إدارة الجنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى