
ما لم يقله حصاد القنصل قبيل مغادرة المنصب.
إسماعيل شريف
في نهاية مهمة السفير عبد القادر عبد الله قنصلًا عامًا للسودان بأسوان، جاء حواره الصحفي المنشور بصحيفة المحقق ليقدم صورة عن فترة عمله وما شهدته من ملفات وإنجازات. لكن في الحصاد، كما في أي شهادة، لا تكمن أهمية ما قيل فقط؛ أحيانًا يكون لما غاب عن الحديث دلالته أيضًا. ومن أبرز ما غاب عن محاور الحوار الذي اجرته معه صحيفة ملف اغلاق المدارس السودانية بأسوان.
منذ نهاية العام الدراسي 2024، ظلت المدارس السودانية مغلقة، واستمر الوضع حتى سبتمبر 2026. عامان دراسيان تقريبًا عاش خلالهما الطلاب وأسرهم على وقع الإغلاق، والبدائل المؤقتة، والاتصالات والمعالجات التي لم تنتهِ إلى عودة مستقرة للتعليم.
ليس من الإنصاف اختزال هذه القضية في شخص القنصل العام، فقرار الإغلاق وتوابعه أكبر من صلاحيات قنصلية واحدة، وتتداخل فيه جهات سودانية ومصرية متعددة. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا يُستبعد الملف من قراءة حصاد فترة عمل قنصلية كان التعليم أحد أكثر الملفات اتصالًا بحياة الجالية.
السؤال هنا ليس لماذا لم تُحل المشكلة؟ بل ماذا جرى طوال هذه المدة؟ ما الذي قامت به القنصلية؟ وما الذي تعذر عليها؟ وأين توقفت المعالجات؟ وما الذي ينبغي أن يعرفه أولياء الأمور والطلاب قبل أن تنتقل المسؤولية إلى إدارة جديدة؟ هذه الأسئلة ليست محاكمة للماضي، بقدر ما هي محاولة لفهمه. فالحصاد المسؤول لا يكتفي بتعداد ما تحقق؛ بل يضع أمام الناس أيضًا الملفات التي بقيت مفتوحة. ولا يحتاج ذلك إلى لغة اتهام، بل إلى الوقائع مدرسة مغلقة، طالب يبحث عن مقعد، أسرة تتحمل كلفة البديل، ومعلم ينتظر عودة مؤسسته.
وفي أسوان، لم يكن التعليم ملفًا هامشيًا للجالية السودانية. المدرسة كانت، وما زالت، أكثر من مبنى وفصول؛ إنها مساحة للاستقرار الاجتماعي، وحفظ المنهج والهوية، وربط الأطفال بوطنهم في ظروف استثنائية فرضتها الحرب. لذلك فإن ملف المدارس سيظل حاضرًا حتى بعد انتهاء مهمة أي مسؤول.
يغادر القنصل، وتتغير الإدارات، لكن الملف لا يغادر. وربما يكون أهم ما يمكن أن يتركه الحصاد الصادق هو خريطة واضحة لما تحقق، وما تعثر، وما يحتاج إلى استكمال؛ حتى لا تبدأ الإدارة الجديدة من الصفر، وحتى لا يدفع الطلاب ثمن كل انتقال إداري مرة أخرى.
في النهاية، لا تقاس قيمة الحصاد بعدد الملفات التي دخلت فيه، وإنما أيضًا بقدرته على مواجهة الملفات التي بقيت خارجه. وهنا تحديدًا، تظل مدارس السودان في أسوان سؤالًا مفتوحًا.











