مقالات

محمد علي الماحي يكتب : الدعم بالمقلوب

خرطوم سبورت

 

الفن الثامن

محمدعلي الماحي

الدعم بالمقلوب

يبدو أن علاقة الحكومات بالأندية الرياضية تُدار في كثير من الأحيان بمنطقٍ مقلوب، لا يستقيم مع احتياجات الواقع ولا مع أبجديات التخطيط السليم. فالدعم الذي يُفترض أن يكون وقائياً ومنظماً، يتحول إلى ردّة فعل متأخرة لا تأتي إلا بعد ملاحقات، وتصعيد إعلامي، وضغوط متواصلة، وكأن الأندية تُعاقَب أولاً ثم تُنقَذ أخيراً.

الأندية الرياضية، بوصفها مؤسسات شبابية ومجتمعية، تحتاج إلى الدعم في أوقات محددة وحساسة، وعلى رأسها فترات التسجيلات. في هذه المرحلة تتحدد ملامح الموسم، وتتوقف القدرة على المنافسة والاستمرار. لكن الغريب أن هذا هو الوقت الذي يغيب فيه الدعم غالباً، فلا تجده الأندية إلا بعد أن تتراكم الديون، وتتعقد الأزمات، وتدخل في دوامة البحث عن حلول إسعافية لتسيير نشاطها بالكاد.

الدعم الذي يأتي بعد “خراب مالطا” لا يُنقذ مشروعاً ولا يبني استقراراً، بل يشبه صورة مقلوبة لسياسة كان يجب أن تُلتقط في وقتها الصحيح. دعمٌ متأخر لا يعالج الجذور، بل يكتفي بإطفاء الحرائق، وغالباً بعد أن تكون الخسائر قد وقعت، مادياً وفنياً ومعنوياً.

المطلوب هو تصحيح هذه الصورة المقلوبة. أن تنتقل الحكومات من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل المسبق، وأن يكون دعم الأندية منظماً، واضحاً، وممتداً من فترات التسجيلات مروراً بمراحل الإعداد والمنافسات، لا أن يُختزل في تدخلات طارئة عند الأزمات. فالتخطيط الرياضي لا ينجح بالمسكنات، بل بالرؤية والاستمرارية.

لا أحد ينكر أن الحكومات مثقلة بالأولويات، من اقتصاد وخدمات وبنى تحتية. لكن دعم الشباب والرياضة ليس ترفاً يمكن تأجيله، بل استثمار طويل الأمد. ما تحققه الرياضة من مكاسب في الأمن المجتمعي، والصحة العامة، وتحصين الشباب من الانحراف والظواهر السالبة، قد يفوق في أثره تكلفة مواجهة نتائج الإهمال لاحقاً، سواء في انتشار الأمراض أو تفشي المشكلات الاجتماعية.

الدعم الصحيح ليس ذاك الذي يأتي تحت الضغط، بل الذي يُقدَّم في وقته. وحين تستقيم الصورة، ويتعدل هذا “الدعم بالمقلوب”، يمكن للأندية أن تؤدي دورها الحقيقي، وتتحول من عبءٍ ينتظر النجدة، إلى شريكٍ فاعل في بناء مجتمع أكثر صحة واستقراراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى