
*جرعة وعي* : *الأسرة في رمضان بين الشعيرة والعادات*
*كتبت د. فردوس عمر عثمان أبومدينة*
رمضان هو شعيرة دينية مفروضة، وركن من أركان الإسلام التي يقوم عليها بنيانه. فرضه الله تعالى بنصٍ قاطع :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
وقد جاء في الحديث الصحيح :
«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (متفق عليه).
فمن حيث الأصل رمضان عبادة مفروضة وشعيرة تعبدية ذات مقصد محدد هو تحقيق التقوى. أما ما يصاحبه من مظاهر اجتماعية كاجتماع الأسرة وتبادل الدعوات وصلة الأرحام فهي آثار مترتبة على العبادة ليست حقيقتها ولا هي غايتها.
إن الخلل يبدأ عندما تقدم الظواهر على الجواهر ويختزل الشهر في طقوس اجتماعية، بينما يهمل مقصده الإصلاحي. فالتقوى التي نص عليها القرآن ليست حالة وجدانية مؤقتة بل انضباط ينعكس على السلوك ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه وبالناس.
فلا إشكال في أن يكون للطعام حضوره فالسحور بركة، وتعجيل الفطر سنة، كما قال صلى الله عليه وسلم
«تسحّروا فإن في السحور بركة»،
وقال: «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر»
فالمائدة وسيلة لا غاية. فإذا تحولت إلى مركز الاهتمام وأصبح التخطيط لها أوسع من التخطيط للعبادة تبدلت الأولويات من غير تصريح.
الأسرة في رمضان معنية بأن تعي أنها تمارس شعيرة لا عادة.
فعلى مائدة الإفطار يستحضر معنى الشكر :
﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
ويربى الأبناء على انتظار الأذان بخشوع لا انتظار الطبق المفضل بشغف.
ويُذكَّرون بأن للصائم دعوة مرجوة القبول، كما قال صلى الله عليه وسلم
«للصائم عند فطره دعوة لا تُرد»
كما أن الشعيرة لا تكتمل في بعدها الفردي فحسب بل تتسع إلى البعد الاجتماعي المنضبط بالقيم قال تعالى:
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
وقال صلى الله عليه وسلم
«من فطّر صائمًا كان له مثل أجره»
هنا يتجلى الأثر الاجتماعي الصحيح للشعيرة : تكافل وبذل ومواساة لا تنافس في الكثرة.
لقد كان وعي السلف بالشهر وعيا تعبديا منضبطا يقبلون على القرآن ويوقظ بعضهم بعضًا للقيام، ويجعلون من بيوتهم بيئة طاعة، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾
فالشعيرة تحتاج قيادة أسرية واعية تدرك أن مسؤوليتها ليست في إدارة تفاصيل الطعام بل في توجيه البوصلة الأخلاقية داخل البيت.
إن أعظم خسارة أن يتحول الركن إلى عادة، وأن يبقى أثره محصورا في المظاهر. فمن لم يترك قول الزور والعمل به فصيامه مهدد بفقدان معناه كما جاء في الحديث الصحيح
جرعة أخيرة
فليكن رمضان في وعينا عهدا لا عادة وميثاقا لا موسما عابرا .
هو شهر تراجع فيه المقاييس، وتُهذب فيه الإرادات، وتسترد فيه بوصلة القلب إلى وجهتها الصحيحة.
ومن أدرك أنه عبادة مفروضة خرج منه وقد تبدل ميزان اختياره واستقامت علاقته بربه ونفسه والناس.
ومن جعله إطارا اجتماعيا فحسب، انتهى بانتهاء هلاله كما تنتهي سائر المناسبات.
فاحفظوا جوهره ليبقى فيكم أثره.
واجعلوه نقطة انطلاق
فالعبرة ليست أن يصوم الجسد أياما معدودات،
هو أن يظل المعنى صائما في الضمير حيّا في السلوك، ممتدا بعد رمضان.
تقبل الله منا ومنكم وكتبنا من المعتوقين





