
بلاك آوت.. سقوط الشبكة وصمود المهندسين(1)
رشان اوشي
وراء كل “بلاك آوت” حكاية أكبر، تبدأ من الحرب، ولا تنتهي عند صمود أيدي العمال والمهندسين فوق مفاتيح الكهرباء.
قضية الكهرباء في السودان صارت امتحان قاس للأمن القومي، ومرآة تكشف حجم ما أصاب الدولة من عطب خلال الحرب. لأنها ببساطة تمس كل بيت، وتضرب في صميم الاقتصاد، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف ما الذي يجري، بلا تجميل ولا عبارات مطمئنة.
التقديرات الأولية الرسمية لقطاع الكهرباء تتحدث عن خسائر تجاوزت (مليار وسبعمائة وتسعة ملايين) دولار، بعد أن طالت الأضرار نحو 90% من محطات التوليد والتوزيع. ما حدث على الأرض كان أقرب إلى تفكيك كامل للشبكة، أسلاك النحاس نزعت من قلب الكيبلات والمحولات، في مشهد لا يشبه التخريب فحسب، بقدر ما يشبه اقتلاع البنية التحتية من جذورها.
أثر التدمير الأعمق لم يكن مرئي.فالبيانات الفنية التي يعتمد عليها المهندسون في التشغيل والصيانة وهي بمثابة العقل الذي تدير به الشبكة نفسها، جرى إتلافها بالكامل.
ومع تدمير خطوط النقل الحيوية، وفقدان مصنعين كانا يمثلان ركيزة لصناعة المحولات محلياً بعد أن طالهما التخريب والنهب، وجد القطاع نفسه بلا ذاكرة وبلا أدوات.
ثم جاءت الضربة الأكثر حساسية. في ليلة واحدة، خرجت أجهزة تنظيم تدفق الكهرباء من المحطات الرئيسية (الريئكتات) من الخدمة، بعد استهدافها بمسيّرات استراتيجية. ومنذ ذلك الحين،تعمل الشبكة دون منظومة ضبط حقيقية،ما جعل التيار غير مستقر، وفسّر التكرار المرهق لحالات الإطفاء والانقطاع المفاجئ (بلاك أوت).
محاولات المعالجة تصطدم بواقع قاس.صيانة محطة حرارية واحدة تحتاج إلى نحو (22) مليون دولار، بينما يصل سعر المحول إلى ثلاثة ملايين دولار، وهو منتج لا يتوفر في الأسواق، بل يصنع بطلب خاص يستغرق وقتاً طويلاً. ومع الحاجة العاجلة، تبرز تعقيدات بيروقراطية التمويل في وزارة المالية، فتتحول إجراءات الحصول على قطع الغيار إلى مسار بطيء لا يحتمله وضع بهذا الحجم.
ومع ذلك، نجحت فرق الصيانة في إعادة تأهيل نحو 60% من محطات التوزيع والتوليد في المناطق المتضررة، بأيد وعقول سودانية خالصة.
في الميدان، يحاول المهندسون سد الفجوة بما يمكن. في محطة سد مروي تحديداً، لجأوا إلى حلول إسعافية، عبر توليف قطع غيار بديلة من مواد محلية، فقط لإبقاء التيار مستمراً بالحد الأدنى. هي حلول لا تضمن الاستمرار،لكنها تعكس حجم المأساة.
وفي سبيل صيانة خطوط (500) فولت، اضطرت شركة كهرباء السودان القابضة إلى إيفاد مهندسين إلى الصين للتدريب على صيانتها، وقد عادوا لتنفيذ العمل.
وبفعل الدمار الواسع وانتشار التوصيلات العشوائية، تراجعت إيرادات شركات الكهرباء إلى مستوى غير مسبوق، حتى بلغت مرحلة العجز عن سداد رواتب آلاف العاملين، أولئك الجنود المجهولين الذين يواصلون العمل ليل نهار لإبقاء التيار مستمراً.
ما يجري في قطاع الكهرباء لا يمكن احتواؤه بإجراءات إسعافية. نحن أمام انهيار هيكلي يحتاج إلى إعادة بناء من الأساس: استعادة الأصول، إصلاح الإطار القانوني، وتبني رؤية واضحة تعيد لهذا القطاع دوره كركيزة للاستقرار والتنمية.
في الحلقة القادمة: لماذا تعثرت محطة كهرباء كلانييب؟ وما قصة البارجة التي تبتلع أموال الشع ب؟
محبتي واحترامي






