
رحيل “الدعيتر” وجعٌ آخر في ذاكرة الوطن
الحزن لا يتخير الدمع ثيابًا كي يُسمّى في القواميس بكاء، لكنه في بلادٍ أنهكها الفقد، صار أوضح من أي تعريف، وأقسى من أي لغة. في وطنٍ مثقلٍ بالرحيل، لم تعد الأخبار تُدهش، لكنها تجرح في كل مرة كأنها الأولى.
ها هو رحيلٌ جديد يعبر سماءنا المُتعبة… رحيل الفنان مختار بخيت “الدعيتر”، الذي لم يكن مجرد اسمٍ في سجل الفن، بل كان نبضًا حيًا يسكن تفاصيل الحياة اليومية للناس، ويُشبههم حدّ الصدق.
لم يكن “الدعيتر” ممثلًا عابرًا، بل كان حالة إنسانية كاملة؛ وجهًا مألوفًا يدخل البيوت دون استئذان، ويمنحها شيئًا من الضوء وسط عتمة الأيام. كان بسيطًا كقلوب الناس، وعفويًا كضحكات الأطفال، وصادقًا كالألم الذي نحمله جميعًا دون أن نُفصح عنه.
في زمنٍ اشتدت فيه القسوة، كان هو نافذةً صغيرة للفرح. لم يكن يقدّم الكوميديا بوصفها ترفًا، بل كوسيلة مقاومة، كنوعٍ من التحدي الهادئ للحزن، وكأن ضحكته تقول: ما زال في الحياة ما يستحق أن يُعاش.
واليوم… يغيب ذلك الصوت، وتخفت تلك الضحكة. يرحل “الدعيتر” بصمتٍ موجع، كأن القلب الذي أضحكنا طويلًا اختار أن يغادر على عجل، دون أن يودّعنا كما يليق بمن منحنا كل هذا الفرح.
يا لها من خسارة فادحة…
ليس لأنه فنان فقط، بل لأنه كان جزءًا من ذاكرتنا الجمعية، من حكايات الشارع، من تفاصيل الحياة البسيطة التي لا تُكتب لكنها تُعاش. برحيله، نفقد شيئًا من أنفسنا، من قدرتنا على التحمّل، من قدرتنا على الابتسام رغم كل شيء.
تاني قام واحد جميل في بلدنا مات…
عبارة تتكرر حتى صارت نشيدًا حزينًا لوطنٍ يودّع أبناءه تباعًا. وطنٌ يسأل في صمت: كيف يحتمل كل هذا الفقد؟ وكيف يُواصل السير وهو يدفن في كل يوم جزءًا من روحه؟
لكن، رغم هذا الرحيل، يبقى الأثر. تبقى الضحكات التي زرعها، والمواقف التي خفف بها وطأة الأيام، والذكريات التي لا تموت. فبعض الناس لا يغادرون تمامًا، بل يتحوّلون إلى حضورٍ دائم في الوجدان.
نم قرير العين يا “الدعيتر”…
فقد كنت خفيف الظل في دنيا أثقلها الحزن، وجميل الأثر في زمنٍ قلّ فيه الجمال. كنت واحدًا من أولئك الذين يجعلون الحياة أقل قسوة، وأقرب إلى الاحتمال.
نسأل الله أن يتغمدك برحمته الواسعة، وأن يجعل ما قدمت من فرحٍ في ميزان حسناتك، وأن يُنزلك منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وستظل العبارة موجعة…
وتاني قام واحد جميل في بلدنا مات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
بقلم الاستاذ
معتز محمد عبد الله
المحامي











