د. فردوس عمر عثمان أبو مدينة تكتب :جزاء الإحسان وجحود المنكرين : صراع النبل في رحاب الوجود
خرطوم سبورت

جزاء الإحسان وجحود المنكرين : صراع النبل في رحاب الوجود
*كتبت :د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
في دهاليز النفس البشرية تتصارع قوتان أزليتان : قوة “الإحسان” التي تمثل ذروة الرقي الإنساني وقوة “الجحود” التي تعكس انغلاق الروح وارتدادها إلى بدائيتها. وبين هذا وذاك يقف المجتمع أمام اختبار أخلاقي عسير هل يبقى النبل راسخا في وقت تراجعت فيه المبادئ أم أن الجحود صار ضريبة لا بد من دفعها لكل من اختار طريق العطاء؟
فالإحسان في جوهره هو حالة من التجلي الروحي حيث يخرج المرء من سجن أنانيته ليمنح دون انتظار مقابل. هو ارتقاء من مرتبة “العدل” (التي تكتفي برد المثل) إلى مرتبة “الفضل” (التي تمنح الفائض من الحب والجهد والمادة).
لقد وضع الخالق سبحانه قاعدة كونية لا تحيد في قوله تعالى: *{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}** [الرحمن: 60]. هذه الآية الكريمة فيها دلالات عظيمة تجاه عبادة الله وعمل الخير والاحسان إلى الناس في القول وفي الفعل هي قانون مالي وروحي . فالإحسان يعود على صاحبهِ سكينة في النفس، وبركة في الأثر ، وقبولا في الأرض، حتى وإن تنكر له البشر.
بينما نجد على الضفةِ المقابلة، يبرز الجحود كظاهره مرضية تفسد الود وتقطع أواصر التراحم. فالجحود ليس مجرد نسيان للجميل فحسب ولكن هو “محاولة لمحوِ فضلِ الآخر” لكي لا يشعر الجاحد بوطأة الدَّين الأخلاقي. وفي هذا يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم في تنبيه شديد اللهجة: *«لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ»** (رواه أبو داود والترمذي).
إذا فالربط النبوي بين شكر الخالق وشكر الخلق يوضح أنَّ الجحود ليس سلوكا اجتماعياً فحسب، بل هو “خللٌ عقديّ” وانفصام في الشخصية الأخلاقية فالذي لا يرى أيدي الناس التي امتدت إليه، لن يرى يد الله التي ترعاه في كل حين.
ولطالما رصدت الحكمة العربية هذا التناقض فجاءَ قول الشاعر معبرا عن لوعة النبل المهدور :
*أُعَلِّمُـه الرِّمَايَـةَ كُـلَّ يَـومٍ .. فَلَمَّـا اسْتَشَدَّ سَاعِـدُه رَمَانِي*
وهذا البيت يجسد ذروة “الجحود الوظيفي والاجتماعي” حيث ينقلب المستفيد على المفيد. لكن الحكمة تقتضي ألّا نترك الجحود يقتل فينا بذور العطاء. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: **”لا يزهدنك في المعروف مَن لا يشكره لك، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيءٍ منه”**. هي دعوة للفعل الخالصِ لله، وللإنسانية في أسمى صورها، بعيدا عن صفقات “هاتِ وخذ”.
إنّ جحود المنكرين لا ينبغي أن يكون سببا في انحسار الإحسان، بل يجب أن يكون محفزا لتمحيصِ النوايا. فالمحسن الحقيقي لا ينظر إلى “الأرض” ليرى أثر فعله، بل ينظرُ إلى “السماء” ليرى قَبوله.
*ختاماً..**
إن المجتمعات التي يسود فيها الجحود هي مجتمعات آيلة للتفكك لأن الثقة هي الغراء الذي يربط القلوب. فإذا كنت محسنا وقوبلت بنكران فتذكر أنك تعامل الله بجميلك، وما كان الله ليضيعَ أجر من أحسن عملاً. أما الجاحد، فيكفيه عقابا أنه أضاعَ شرفَ الامتنان وحرم نفسه من لذة الوفاء، وبات ثقيلا على الأرضِ والسماء .
*كن محسنا وإن لم تلق إحسانا.. فكفاك أن اللهَ يحبّ المحسنين.**
هذا مع كامل الود











