الاخبار

عصام أبومدينة يكتب: ترانيم الوجع بين استعلاء الملوك وأنين الحناجر

خرطوم سبورت

 

عصام أبومدينة يكتب: ترانيم الوجع بين استعلاء الملوك وأنين الحناجر

لقد استقر في أذهان بعض ولاة الأمور أن الكثير من الرعية محضُ أدواتٍ في آلة ملكهم، أو ظلالٌ باهتة لا تستحق الالتفات، يسومونهم سوء العذاب ويضربون عليهم حصار الواجبات التي لا تقبل التأويل ولا التأجيل، فإن أبطأت بهم الأوجاع أو أقعدتهم الفاقة ثارت ثائرتهم، واستنفروا خيلهم ورجلهم لتقويم (اعوجاجهم) المزعوم، وكأن الناس خُلقوا ليعطوا بلا أخذ ويطيعوا بلا فهم. هم في قاموس السلطة المنسيون عند العطاء، والمدعوون الأوائل عند البلاء، لا يزن أنينهم عند أصحاب القرار مثقال ذرة، ولا يرون في دموعهم إلا ماءً لا يروي عطش كبريائهم.

المصيبة الكبرى تكمن في تلك العيون المتربصة من (سدنة الأبواب) وضعاف النفوس الذين يقتاتون على مآسي الشعب؛ فما إن تخرج من المكلومين زفرة اعتراض أو همسة احتجاج على جورٍ مائل، حتى تنهال عليهم تهم الخيانة، ويُقذفوا في أتون الشيطنة، ويُصوَّر إخلاصهم لآلامهم على أنه عمالة للأعداء ومروق عن الجماعة. إنهم يضيقون بصدق الضحايا ذرعاً، فإن نطق البسطاء بوجعهم استصغروا بيانهم ووصموا لغتهم بالركاكة، بينما تراهم يبتسمون لكل غريبٍ نطق بصواب أو خطأ في ازدواجية تقتل في الروح بقايا الرجاء.

وتتجلى هذه المرارة في أبشع صورها حين نرى الوجوه التي أدمنت التنكيل، وعاثت في الأرض فساداً، وسفكت من الدماء ما ينوء بحمله التاريخ، ترحل بالأمس خلسة ببريق الأموال إلى منافي الترف، ثم تعود اليوم لتُفتح لها الأبواب مشرعة تحت ستار الانضمام والموالاة من جديد. يُستقبلون استقبال الفاتحين وتُغسل صحائفهم من أدران ما اقترفته أيديهم بحق الضحايا، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن الأرواح التي أُزهقت كانت مجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة. أيُّ قهرٍ هذا الذي يجعل الجلاد يُكافأ بمقاعد الصدارة لمجرد تبديل ولائه، بينما يُطارد المواطن الصادق في وطنيته ويُحاصر في رزقه لمجرد أنه صرخ من الوجع؟

إن هذه الردة الأخلاقية ترسخ في وجدان المكلومين أن القاتل يجد دائماً طريقاً للنجاة بل والتكريم، بينما يُراد للضحية أن تخرس وتنسى جراحها نزولاً عند رغبة (الضرورة) التي لا تخدم إلا من استهان بالأمانة.

لقد بلغت القلوب الحناجر من جفاء مَن اؤتمنوا فلم يصونوا الأمانة، واستُحفظوا فضيعوا، فكيف يستقيم ميزان العدل واليد التي سقتنا العلقم تُقبل اليوم بحجة الولاء المستجد؟

فيا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويا من عدله لا يميل وميزانه لا يظلم: اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئاً فشق عليهم، اللهم فاشقق عليه وأرهم من عظيم قدرتك ما يداوي جراح المستضعفين، واجعل دائرة السوء تدور على من اتخذ عبادك خولاً، ومالك دولاً، وكرامة عبادك ذلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى