مبارك أردول يكتب : إنشقاقات قادة مليش يات الدعم السريع هل تشبه انقسامات الحركة الشعبية سابقاً؟
خرطوم سبورت

انشقاقات قادة مليش يات الدعم السريع هل تشبه انقسامات الحركة الشعبية سابقاً؟
مبارك أردول
يثير كثير من الكُتّاب، خاصة ممن يقللون من الانشقاقات التي تجري وسط مليشيات الدعم السريع، وبالطبيعة داخل معسكر تأسيس، تشبيهاً لما حدث للحركة الشعبية إبان انشقاق الناصر بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول والدكتور أروك طون أروك عام ١٩٩١م، ويسترسلون بأن ذلك – رغم أنه لم يوقف الحرب – أعاد الاصطفاف لاحقاً لصالح الحركة الشعبية بانضمام قادة الناصر إلى معسكر توريت!.
في الحقيقة، ما جرى في الناصر لا يبسّط بانه مجرد انشقاق عسكري بين مقاتلين يتبعون للحركة الشعبية وانفصلوا عن قيادتهم، بل كان خلافاً سياسياً محررة نقاطه بين مجموعة الناصر بقيادة رياك ولام واروك وآخرين، وبين مجموعة توريت بقيادة الدكتور جون قرنق. فقد تباينت الرؤى حول قضيتين محوريتين، أذكر منهما الغاية النهائية من النضال (End Game) بين رؤية تقرير المصير ورؤية السودان الجديد الموحد بأسس جديدة، وكذلك كان التباين حول الأسلوب القيادي الذي كان يتبعه الدكتور جون قرنق، حيث وصفه مخالفوه بالانفرادية والأحادية، أو بالدكتاتورية بصريح العبارة. وهذا كان جند ثانوي مقارنة بالجند الاول. وقد حرروا ذلك الخلاف في وثيقة سياسية قدمت تبريراً لموقفهم السياسي، عنونوها بـ: (Why Garang Must Go)، كُتبت قبل الانقسام السياسي والاصطفاف العسكري، الذي تحول لاحقاً إلى انقسام إثني لطبيعة السودان الإثنية المتجذرة في السياسة، فقاد إلى صدام رئيسي بين قوميتي النوير من جهة والدينكا من جهة أخرى، وقاد إلى حرب داخلية ما تزال آثارها متوارثة.
كان جوهر الخلاف سياسياً حول الرؤية والغاية النهائية من النضال أو الكفاح تحت راية الحركة الشعبية، حيث كانت ترى مجموعة الناصر أنه يجب أن يقود إلى دولة مستقلة في نهاية المطاف، بينما كانت مجموعة توريت تنادي بالسودان الجديد الموحد بأسس جديدة. كما ذكرنا أعلاه. وعلى اثر تلك التطورات تواصلت مجموعة الناصر مع السلطة في الخرطوم وتباحثت معها وكانت نتيجته أن وقع الدكتور لام أكول والدكتور علي الحاج، ممثل الجبهة الإسلامية (حكومة السودان) حينها، على إعلان فرانكفورت في ٢٥ يناير ١٩٩٢م، الذي ذُكر فيه حق تقرير المصير لأول مرة في الأدبيات السياسية السودانية كخيار لحسم الصراع النهائي في جنوب السودان.
قد جعل ذلك المطلب القضية التي تتبناها مجموعة الناصر جاذبة لقطاع كبير من الجنوبيين المقاتلين، بمافيها تحت قيادة قرنق، وكذلك لطبقة واسعة من النخبة الجنوبية. ولم تكن الجبهة الإسلامية صادقة في تطبيق الاتفاقية التي وقعتها مع مجموعة الناصر، بل كانت تتخذها أداة تكتيكية لهزيمة مجموعة توريت بقيادة قرنق، ليس إلا، رغم ضعفها حينها ولكنها كانت تراها مهددة باجندتها الوحدوية.
أما ما حدث بالفعل داخل مجموعة توريت، فإن هذه إتفاقية فرانكفورت كادت أن تعصف وبمعسكر توريت، حيث تعالت الأصوات بلماذا نقاتل من اجل كل السودانيين وهم يقاتلوننا؟ إلا يكفي أن ناخذ جنوبنا وننهي الحرب؟ اضطرت الحركة الشعبية واعادت ترتيب أجندتها السياسية وتبنت لاحقاً ذات أجندة المعسكر المنشق في الناصر، ووضعت حق تقرير المصير ضمن مشروعها كخيار في حال تعثر خيار الوحدة، فوضعت شرطاً على استحياء بعبارة “الوحدة الطوعية”، وضمّنت حق تقرير المصير، كما ظهر في مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في التجمع الوطني الديمقراطي ١٩٩٥م، ولاحقاً في مبادئ دول الإيقاد ١٩٩٨م واتفاقية مشاكوس ٢٠٠٢م.
لم تكن للحركة الشعبية عودة من الإنعاش إلى الحياة لولا تبنيها لخيارات المجموعة المنشقة في الناصر، حيث راق لقلوب الآلاف في توريت الأجندة السياسية للناصر، واستبعدوا – بل واستهزأوا – بما طرحه قرنق حول الوحدة والسودان الجديد، وقد رأوا أنه ليس شرطاً أن يتحقق في سودان ١٩٥٦م.
ومن يقول إن مجموعة الناصر هُزمت وانضمت لقرنق، فإنني أرى غير ذلك؛ فهي انتصرت سياسياً، واستطاعت أن تفرض أجندتها على مجموعة توريت، غض النظر عن الصمت الذي صاحب المجموعات الشمالية المنتمية لمعسكر توريت حينها بقيادة يوسف كوة من جبال النوبة، ومالك عقار من النيل الأزرق، ومجموعة الشماليين بقيادة ياسر عرمان، والتي كان هذا الجدال يعنيها في المقام الأول، ولكن الطبيعة العسكرية للحركة وثقتهم المفرطة في قرنق وفي الأقدار قادت، في نهاية المطاف، إلى أن تجد الحركة الشعبية ويجدوا انفسهم تنظيمياً بقيادة قرنق أو من خلفه، ولكن سياسياً بقيادة خط تيار الناصر، وهو ما خلق اضطرابات محدودة في مفاوضات نيفاشا . لكن استطاع قرنق حسمها بالتعليمات العسكرية مع مجموعة أبناء جبال النوبة الرافضة، والذين صحوا في نيفاشا بأن الجنوب سينفصل ويؤسس دولة جنوب خط ١-١-١٩٥٦م، وسيُتركون لمصيرهم أو لجولة أخرى من القتال، مما اضطرهم لاحقاً – بقايا توريت – إلى تأسيس الحركة الشعبية شمال، والذي ليس مسار حديثنا الآن.
لا يمكن وصف الانشقاقات التي تجري داخل مليشيات الدعم السريع الآن بأنها مثل تلك التي مرت بها الحركة الشعبية، حتى تكون هذه دعوة للتماسك ليس إلا. فالأحداث تشير إلى أن الانقسامات الحالية ليست ذات طابع أو أجندة سياسية، بل هي انضمام مقاتلين لم يختلفوا مع قيادتهم حول الغاية النهائية من القتال أو أجندتها السياسية، بل – في أحسن الأحوال – هي تباينات وغبائن نتاج للممارسة القيادية، وهذه لن يترتب عليها أي أثر سياسي سوى في التماسك الاجتماعي والعسكري وفي البنية التنظيمية داخل مليشيا الدعم السريع.
فإذا تتبعنا التكوين والخلاف عبر المؤتمرات الصحفية والتصريحات اللاحقة وطريقة التعامل معها، نجد أنها تختلف اختلافاً جوهرياً، ولم يُطرح أي مشروع سياسي، أو حتى لم يكن ذلك ضمن أجندتهم. وغالباً ما سينتهي المطاف بكامل هذه القوات نتيجة لذه الأحداث؛ فلا حميدتي يشبه قرنق، ولا المنشقون عنه يشبهون الدكتور رياك مشار أو الدكتور لام أكول أجاوين.











