الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : المواطن بين أنين الحرب والضرائب

خرطوم سبورت

 

المواطن بين أنين الحرب والضرائب

اسماعيل شريف

في مقطع فيديو قصير من منطقة البسابير بولاية ولاية نهر النيل خرج احد ابناء الوطن “الغلابة” لم يكن الرجل يخطب في السياسة ولا يناقش موازين القوى العسكرية، بل كان يرفع حفنة إيصالات ورقية كأنها وثائق إدانة كاملة لواقع يئن تحته السودانيون.
مواطن بسيط يشكو الضرائب والرسوم المفروضة على شحنة “لوري بصل” متجهة من البسابير إلى السوق المركزي بالخرطوم مستعرضاً تفاصيل الجبايات التي توزعت بين المرور، ورسوم السوق المحلي، والزكاة، ورسوم النفايات، إلى جانب جبايات أخرى وصفها بغير القانونية على الطريق القومي.

ذلك الفيديو لم يكن مجرد حالة فردية، بل نافذة صغيرة فتحت على أزمة كبيرة تتجاوز “لوري البصل” إلى السؤال الأخطر
كيف يعيش المواطن السوداني وسط حرب تلتهم الدولة، وجبايات تلتهم ما تبقى من المواطن؟
الرجل لم يطلب إعفاءً كاملاً من الرسوم، ولم يرفع شعارات سياسية كبيرة، بل طالب فقط بإحكام الرقابة على نقاط العبور ومنع الابتزاز الذي يحدث على الطرق القومية. لكن خلف صوته المرهق كانت تختبئ حكاية بلد كامل أصبح المواطن فيه يدفع ثمن الحرب في كل خطوة يدفعه في الوقود، وفي الغذاء، وفي النقل، وحتى في حقه بالمرور داخل وطنه.
الحروب الطويلة لا تستهلك الذخيرة فقط، بل تستهلك بنية الدولة نفسها.
ومع اتساع رقعة الصراع في السودان، ظهرت ملامح “اقتصاد الحرب” بوضوح حيث تتحول الجبايات والرسوم إلى وسيلة تمويل مستمرة في ظل انهيار الإنتاج وتراجع الإيرادات الطبيعية. وفي مثل هذه البيئات، تتكاثر نقاط التحصيل كما تتكاثر المتاريس، ويصبح الطريق القومي نفسه سلسلة طويلة من الاستنزاف المالي والنفسي.

المأساة أن المواطن لم يعد يملك رفاهية الصمت، ولم تعد السلطة تملك رفاهية إخفاء الواقع.
في زمن الهواتف الذكية والإنترنت المفتوح، أصبحت الوقائع توثق فوراً بالصوت والصورة، وتنتقل إلى الجميع دون وسطاء. فيديو واحد من مزارع بسيط قد يهز صورة كاملة حاولت الخطابات الرسمية تجميلها لسنوات. الكاميرا الصغيرة التي يحملها المواطن أصبحت أرشيفاً يومياً لمعاناة الناس، ووسيلة لكشف ما يجري في الأسواق والطرق ومكاتب التحصيل ونقاط العبور.
وإذا كانت الحرب قد أنهكت الناس بالخوف والنزوح وفقدان الخدمات، فإن الضرائب الباهظة والقسوة في جمعها تضيف طبقة أخرى من القهر اليومي.
فالمزارع الذي ينتج، والتاجر الذي ينقل، والسائق الذي يخاطر بالطريق، جميعهم يضيفون تكلفة الجبايات إلى سعر السلعة النهائية، ليصل العبء كاملاً إلى المواطن البسيط الذي يشتري حاجاته من السوق.

الأخطر من ذلك أن الإنفاق الحربي صار يلتهم ما تبقى من جسد الدولة، إن كان لها جسد متماسك أصلاً. الأموال تتجه إلى ساحات القتال بينما تتراجع الخدمات الأساسية، وتتضخم الديون التي سترثها الأجيال القادمة. وفي عالم السياسة، لا توجد مساعدات مجانية بالكامل فكل من يغذي الحرب اليوم من الدول الصديقة او الشقيقة بالسلاح أو المال أو الدعم السياسي، ينتظر لاحقاً أن يسترد فاتورته، سواء كانت أموالاً، أو نفوذاً، أو سيطرة على القرار والسيادة الوطنية.
لذلك، فإن فيديو مواطن البسابير لم يكن مجرد شكوى عن “رسوم لوري بصل” بل شهادة حية على وطن يتأرجح مواطنوه بين أنين الحرب وسطوة الضرائب، بين الخوف من الرصاص والخوف من الوصول إلى السوق.
وهي شهادة تقول بوضوح إن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط القتل المباشر بل تحويل الحياة نفسها إلى عبء يومي لا يُحتمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى