
عندما كنت للموت أقرب من الحياة
منذ ثلاث سنوات وفي مثل هذا اليوم كنت أحمل حقيبتي بها أدوية أمراض مزمنة للوالدة حفظها الله و متعها بالعافية و أعانني على برها وبعض المستلزمات الشخصية الطريق الذي سلكته مرات عديدة عاد بي إلى معتقل الموت فيه أقرب من الحياة كان اعتقال التهمة فيه أنك تتبع الجيش و موالي له لا محاكمة لا سؤال مشروع فقط قبضة غليظة تسحبك من قميصك وتقذف بك في ظهر عربة لا تعرف إلى أين تذهب.
ثلاث سنوات مرت والذاكرة لا تشيخ أتذكر أصواتهم قبل وجوههم صراخ بلا سبب سباب يتدفق من أفواه لا تعرف غير القبح كانوا يضحكون على وجعك كأن الألم عرض مسلٍ يدخلون عليك في الفجر أيقظونا للضرب ثم ينامون في منتصف الليل بعد أن يسرقوا آخر ما تملك لا قانون يحكمهم ولا دين يردعهم لبسوا الزي العسكري فظنوا أنفسهم دولة وهم عبارة عن عصابات تتحرك بعربات مسروقة وعقول خاوية.
من خلال رصدي لهم أن أبشع ما فيهم أنهم فقدوا ملامح البشر البشر يرحمون الضعيف وهؤلاء يتلذون بكسره البشر يخجلون من العار وهؤلاء يتفاخرون به رأيتهم ينهبون بيوت الجيران ثم يتهمون أصحابها بالخيانة رأيتهم يطلقون الرصاص في الهواء احتفالاً والرصاص نفسه ينزل على رؤوس الأطفال في الشارع التالي لا انضباط لا قائد حقي فقط فوضى مسلحة تلبس بزة و أعجب ما رأيته فيهم أن القائد فيهم يوبخ و يعاقب جنوده بالجلد بالسياط و قد ألفوا ذلك!
في المعتقل رأيت و سمعت قصص من سبقونا يشيب لها الولدان كل شيء عندهم مباح الكذب دينهم والسرقة شرفهم والقتل لعبتهم لا وطن في قاموسهم ولا مواطن في حساباتهم الوطن عندهم غنيمة والمواطن فريسة.
خرجت بعد أيام لا تشبه الأيام خرجت بجسد منهك وذاكرة مثقوبة بالتفاصيل كتبت مقالين بعدها مباشرة حاولت فيهما أنقل ما لا ينقل رائحة الخوف طعم الإذلال صوت الباب الحديدي وهو غلق خلفك وأنت تعرف أن لا أحد سيسمعك قلت حينها إنهم مخلوقات على هيئة بشر واليوم أكررها بعد ثلاث سنوات دون أن أتراجع عن حرف لا أثر للرحمة في عيونهم،لا أثر للحياء في أفعالهم نزعوا عن أنفسهم كل صفة إنسانية ولبسوا القسوة كأنها وسام.
الذكرى الثالثة ليست احتفالاً بالنجاة بقدر ما هي تذكير بأن الوجع لا يتقادم تذكير بأن هناك من لا يزالون في قبضتهم وهناك من لم يخرجوا أصلاً تذكير بأن الصمت عن هؤلاء جريمة مثل جريمتهم لن أنسى أصوات تئن من العذاب ولا نظرات الشماتة ولا الكلمات التي كانوا يرددونها وهم يمزقون كرامتنا ستبقى محفورة لأحكيها كلما سئلت.
ما عشته في الأسر كان اختباراً قاسياً لفكرة الإنسان نفسه حين ترى من يدعي أنه يحميك وهو أول من ينهشك تدرك أن الخطر الحقيقي ليس في الرصاصة إنما في من يحملها بلا ضمير هؤلاء ليسوا جنوداً ولا ثواراً ولا أصحاب قضية هم وحوش تلبس ثياب البشر وكلما تعرت الحقيقة سقط القناع وظهرت الهمجية بلا تجميل.
ثلاث سنوات على الاختطاف وثلاث سنوات على يقين راسخ أن النجاة منهم شرف وأن تسميتهم بأسمائهم واجب لا أريد خطباً ولا شعارات أريد فقط أن تقال الحقيقة كما هي بلا تجميل وبلا خوف مليشيا الدعم السريع عصابة مجرمة مارقة لا تمت للإنسانية بصلة وتجربتي معهم كانت جحيماً لا أتمناه لعدو.. و للحديث بقية.
دكتور حسن شايب دنقس
مدير مركز العاصمة للدراسات السياسية و الاستراتيجية










