
أما سئم السودانيون الحرب؟
إسماعيل شريف
ثلاثة أعوام من الحرب، والسودان يدفع الفاتورة من دم أبنائه ومستقبل أجياله. كل يوم يمر لا يحمل معه سوى مدينة جديدة تنزف، وأسرة جديدة تتشرد، وأمل آخر يتبخر.
الجنينة، نيالا، زالنجي، الضعين، الفاشر، بابنوسة… مدن أصبحت عناوين للأخبار العسكرية بعد أن كانت مراكز للحياة والإنتاج والتعايش. واليوم تتجه الأنظار إلى الأبيض التي تعيش على وقع التهديد، بينما تظل الدلنج وكادوقلي تحت وطأة الحصار، وتشتعل مناطق النيل الأزرق بين الحين والآخر، فيما لم تعد كوستي وربك بعيدتين عن أزيز الطائرات المسيّرة والقصف، وأصبحت بارا تتأرجح بين تقدم هذا الطرف وتراجع ذاك.
لكن المأساة الحقيقية ليست في خرائط السيطرة العسكرية، وإنما في الإنسان السوداني.
أب في مدينة، وأم في مدينة أخرى، وأطفال تفرقت بهم السبل بين مخيمات النزوح ودول اللجوء. ملايين السودانيين يعيشون حالة اقتلاع قسري من جذورهم، بعدما تحولت منازلهم إلى أطلال، ومدارس أبنائهم إلى ملاجئ، ومستشفياتهم إلى ساحات حرب.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن تتعزز فيه قيم التضامن، تمدد خطاب الكراهية بصورة غير مسبوقة، وأصبحت الانتماءات الضيقة تتقدم على الهوية الوطنية، وهو أخطر ما يمكن أن تخلفه الحروب، لأن آثار الرصاص قد تزول، أما آثار الكراهية فقد تمتد لأجيال.
وفي الداخل، انتشر السلاح حتى أصبح جزءاً من المشهد اليومي. خلاف عابر قد يتحول إلى جريمة قتل، ومشاجرة تافهة قد تنتهي بسقوط ضحايا، بعدما أصبح السلاح أقرب إلى الأيدي من القانون، وغابت هيبة الدولة في كثير من المناطق.
أما الحدود، فقد تحولت في أجزاء واسعة منها إلى ممرات مفتوحة أمام التهريب، والجريمة المنظمة، والمخدرات، والسلاح، وتجارة البشر. وعندما تضعف الدولة، لا تبقى الفراغات خالية، بل تملؤها شبكات المصالح والجريمة العابرة للحدود.
اقتصادياً، لا ينهار الجنيه السوداني بسبب نقص الموارد وحده، فالسودان ما زال يمتلك أرضاً زراعية شاسعة، وثروات معدنية، وإمكانات بشرية كبيرة. لكن الاقتصاد لا يعيش على الموارد وحدها، بل يحتاج إلى الأمن والإنتاج والاستقرار. وعندما تتوقف المصانع، وتتراجع الزراعة، وتُدمر البنية التحتية، ويستشري الفساد وسوء الإدارة، يصبح تراجع العملة نتيجة طبيعية لأزمة أعمق.
أما المجتمع الدولي، فقد أثبت مرة أخرى أن اهتمامه تحكمه أولوياته ومصالحه. البيانات تتوالى، والمبعوثون يتنقلون، والاجتماعات تعقد، بينما تستمر الحرب على الأرض بلا توقف. الحديث عن الحلول كثير، لكن الأفعال أقل بكثير من حجم الكارثة. وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بملفات أخرى، يجد السودانيون أنفسهم خارج دائرة الاهتمام الدولي، بينما يستمر تدفق السلاح وتتواصل مصادر تمويل الحرب بطرق مختلفة.
والحقيقة التي ينبغي ألا يغفل عنها السودانيون هي أن انتظار الخارج لإنقاذ السودان قد لا يكون رهاناً رابحاً. فالدول تتحرك وفق مصالحها، وليس وفق آمال الشعوب. وإذا لم يمتلك السودانيون الإرادة السياسية والمجتمعية لوقف هذه الحرب، فلن يفعل ذلك أحد نيابة عنهم.
لقد خسر السودان مدناً وقرى، وخسر اقتصاده، وخسر ملايين من أبنائه بين نازح ولاجئ، لكن الخسارة الأكبر ستكون إذا فقد السودانيون إيمانهم بإمكان العيش معاً في وطن واحد.
ليس المطلوب أن ينتصر هذا الطرف أو يهزم ذاك، وإنما أن ينتصر السودان نفسه. فلا جيش سيبني وطناً بمفرده، ولا قوة مسلحة تستطيع أن تحكم بلداً دمرته الحرب إلى الأبد، ولا مشروع سياسي يمكن أن ينجح فوق أنقاض شعب منهك.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه، قبل أن يطرحه على الآخرين:
أما سئمنا الحرب؟
فإن لم تكن كل هذه الدماء، وكل هذا الخراب، وكل هذه المعاناة سبباً كافياً للبحث عن طريق يوقف النزيف، فماذا بقي حتى يقتنع الجميع بأن الوطن نفسه أصبح على المحك؟
قبل فوات الأوان… يحتاج السودان إلى صوت العقل أكثر من حاجته إلى صوت البنادق، وإلى مشروع وطني جامع أكثر من حاجته إلى مزيد من ساحات القتال. فالأوطان لا يحفظها المنتصرون في المعارك وحدها، وإنما يحفظها المنتصرون للسلام.











