
هيثم كابو يرثي عمر النمير
لقد أخجلتنا بسيرتك حيًّا وميتًا يا عمر!
* الأسى يعتصر الضلوع، الغصة تقف في الحلق كنصل سكين حاد، الدموع تنهمر من المقل مدرارا، ويكاد القلب ينفطر تمامًا فنزيف الروح يمتزج بطعم الفجيعة والناعي يبعث بالنبأ الأليم.
* التسليم بالقضاء والقدر ركن لا يصح إيمان العبد إلا به، ولكننا والله نرفع الأكف ضراعة سائلين المولى الصبر والثبات، ضعفنا أمام الخطب الجلل تفضحه العيون، نتجاسر حينًا، وندعي التماسك حينًا اخرا، والحقيقة أننا لم نفق من هول الفجيعة بعد، وما ضاعف من الصدمة المؤلمة فرحنا بالتعافي عقب مغادرته المستشفى، ولم نكن ندرك أن القفشات و(لمة) مساء الخميس الماضي هي آخر لقاء لنا به، وما تبقى من عمره في دنيانا الفانية لا يتجاوز ساعات معدودة، وإن كانت بشاشته المعهودة يومها بعض مما يحزننا، فإن الأكثر حزنا حديثه المشحون بالمشاعر الدافئة عن نيته نشر (بوست شكر) مساء الجمعة كرد جميل للجميع لأن في رقبته دين دعاء وعربون محبة يصعب سداده، وما درى أن مساء الجمعة سيكون ميقات إنطلاق خبر موته، وبدأية حداده.
* المواقف التي نعرفها عن الصديق الحبيب الباشمهندس عمر النمير يصعب حصرها، فالرجل كان سباقا لعمل الخير دون ضوضاء وشوفونية ورياء، يغيب عندما تسلط الأضواء، ويتمدد حضورا طاغيا في ساعات الحرج ولحظات الضيق، لذا فإن موته يمثل انطفاء منارة كانت تهدي التائهين في عتمة الطريق.
* عندما تولى مهمة رئاسة مجلس إدارة نادي المريخ في توقيت صعب كان النادي يعيش أسوأ فترة في تاريخه، فلأول مرة منذ كارثة الرياضة الجماهيرية يتم تجميد نشاط فريق كرة القدم لشهور طويلة دون رؤية واضحة أو مجرد الحديث عن تاريخ يتم فيه محاولة تجميع اللاعبين، وما يؤكد عدم الرغبة في إعادة الفريق للتدريبات ناهيك عن إقامة معسكر أو إيجاد دوري بديل هو عملية تسريح الأجانب بمختلف جنسياتهم فذهب البرازيليون، وغادر الكولمبي برايان رغم مردوده العالي، ولم يرحم تسونامي التجريف الجنوب سوداني جوزيف معليش وطال الفتى اليافع الحاصل على الجنسية السودانية كمبالي.
* جاء النمير لفريق ليس في صفوفه محترف أجنبي واحد، كما أنه بلا مساعد مدرب وطني ناهيك عن مدير فني أجنبي، ورغم ذلك تصدى للمهمة ونفخ الروح في جسد الفريق بالتعاقد مع عدد كبر من اللاعبين الوطنيين والأجانب، وأعاد النادي لدائرة التواجد من جديد، وصرف لوحده ملايين الدولارات بسخاء غير محدود، وحتى رحيله عن الدنيا لم يقل أنني دفعت كذا، ووجدت الحال يغني عن السؤال ، بل كان بعد ترجله يطلب من المقربين منه عدم الحديث، ويقول أن ما تم تقديمه واجب، ويردد بالنص :(يا جماعة الزول لو جاب في بيتهم حاجة عيب يطلع يقول أنا جبت لبيتي كذا وكذا، وبجي اليوم الناس بتعرف، وكل حاجة موثقة وموجودة بالمكتب التنفيذي ومراجعة ماليًا وإداريًا، المهم الأمور تمشي أحسن والمريخ يكون أفضل) .
* غادر كرسي رئاسة النادي، وكان المحرض الأول والمشجع لصديقه الوفي وشريكه ورفيق دربه المخلص الباشمهندس مجاهد سهل لتولي رئاسة لجنة التسيير، وظل مساندا وداعما ومستشارا في صمت كامل، ولعمري أن أكثرنا حزنا على رحيل النمير هو مجاهد، وما يقال عن شهامة ومروءة وكرم النمير كثيرا، كما أن ما يقال عن وفاء وإخلاص سهل لصديقه أكثر، فما نعلمه مسبقًا عن حجم العلاقة كان يجعلنا نتوقع كل شئ، ولكن ما رأيناه من ترك سهل لكافة أعماله الخاصة والعامة ومرابطته لأكثر من شهر مع صديقه الصدوق، وملازمته له في المستشفى وإصراره أن يخرج معه لمنزله وبقائه لجواره هو أمر لا يصدر إلا من رجل أصيل، و”الشيء من معدنه لا يُستغرب”، فالمجاهد تجلت فيه معاني الوفاء وعمر يستحق صدق الإخاء.
* منذ أكثر من عامين لم أكتب (بوست) واحد عبر هذه الصفحة، واليوم يقودني الحزن مجبرا لتحبير بعض الخواطر هنا عن صديق عزيز بكته التكايا حزنا وخوفا، فالحسرة سدت الأبواب برحيله، بينما خافت نيران طهي الطعام أن يفارقها طعم الإشعال وتصوم عن اللهيب الذي يسد رمق الآلاف بالسودان، فرحيل عمر أشبه بإنتهاء مدة تأمين شامل و(فقدان أمان).
* طبيعي أن يذرف الرجال دموعهم الغالية على رجل بكته الطالبات قبل المعلمات في مدارس لم يرها بعينه، ولكن يده كانت مبسوطة لها، وكيف لا ندمع وقد رحل الذي كان رقيقي الحال يستندون إلى جدار وجوده كلما مالت بهم الأيام، فقد غابت شمس وجوده، لكن النور الذي زرعه خيرا سيظل يشرق كل يوم بانتظام.
* اللهم نسألك الرحمة والمغفرة للحبيب عمر، وأن يلهم أسرته الصغيرة والكبيرة وعموم الكوارتة وأهل أم درمان والصفوة داخل وخارج السودان وجموع الرياضيين والشعب السوداني الصبر والسلوان، فالحزن يخيم على الجميع لرحيل رجل بكته السنابل التي أشبع جائعها، والبيوت التي ستر عوراتها، والقلوب التي جبر كسرها، فقد كان للنوال رمزا وللجود بابا، و(برحيله قد تجف أنهار الدموع، لكن بحار الحزن ستبقى جارية).
* أخيرا: نبكيك ووين نلقى الدموع ..ياريتها من بعدك تفيد











