الاخبار

سلوى أحمد موية تكتب : نموذج الكفاح (ست الشاي)

خرطوم سبورت

 

سلوى أحمد موية تكتب : نموذج الكفاح (ست الشاي)

✒️ سلوى أحمد موية

عند أول خيط للفجر وقبل أن يستيقظ الشارع تكون ست الشاي قد استيقظت
وجمعت(عدتها) قطعة قطعة البنبر الحلة الكفتيرة الكبابي والملاعق تخرج من دارها متوكلة على الله حاملة على كتفها هم بيت واطفال وطلاب تمشي في الطرقات لا تشتكي حرآ ولا بردآ هدفها الرزق الحلال.ست الشاي في السودان ليست بائعة فقط هي الام المربية المستشارة والارملة تحت راكوبتها يجتمع كل أطياف المجتمع الموظف والعامل والطالب الكل يشرب من يدها ليعدل مزاجه وينسي همه.كافحت وناضلت في مجتمع كان ينظر لها باستعلاء فحوّلت الرصيف إلى منصة اقتصاد من مال الجبنة دفعت رسوم الجامعة ومن مال الشاي دفعت إيجار البيت، السودانيون يطلقون كلمة ست مجردة فقط على المعلمة أو المُدَّرِسة ويستخدمها التلاميذ في المدارس كمقابل كلمة (أبلة) في اللغة المصرية العامية ويستخدمون كلمة ست أيضاً للإضافة بمعنى صاحبة مثلاً صاحبة الحقيبة ست الشنطة وأيضاً بمعنى بائعة ست الخدار ست اللبن أما كلمة (ست الشاي) فهي تطلق إجمالاً لكل ما تقدمه أو تبيعه ست الشاي من القهوة والشاي والمشروبات الساخنة الأخرى الكردي والقرفة والنحلبة والحرجل والمشروبات العالمية كالشاي الأخضر والنسكافيه التي لم تعرفها الأجيال الأولى من ستات الشاي
كانت مهنة بيع الشاي في السودان في بدايتها تخص النساء المتقدمات في السن في الأسواق الشعبية بعد أن بدأت ظاهرات المقاهي تفقد بريقها في السودان وكانت مهنة محدودة وغير لافتة للانتباه وبدأت الظاهرة تأخذ أهميتها في فترة منتصف التسعينات وبداية الألفية الثالثة هذا الازدهار أدى إلى لفت الانتباه لست الشاي كظاهرة اجتماعية تشكّل تجمعآ عفويآ لعدد كثير من المواطنين الشباب وكان المجتمع في تلك الفترة ينظر بنوع من الريبة والتشكيك الأخلاقي في بائعات الشاي وصدرت عدة قرارات حكومية بخصوصهن أشهرها القرار الذي أصدره العميد يوسف عبد الفتاح في التسعينات الذي يلزم كل بائعات الشاي بلبس الجوارب لتغطية أرجلهن وأصبح هذا القرار محل سخرية لكثيرمن السودانيين بينما أصبح يطلق على كل من يرتدي الجوارب من غير حذاء مقفول ( ست الشاي).
ظروف الفقر الشديد والحروب الأهلية والهجرة الكثيفة من الأقاليم إلى الخرطوم ومن الأرياف إلى المراكز الحضرية والمدن جعلت كثير من النساء يتجهن لإعالة أسرهن عن طريق بيع الشاي مما ساهم في تغيير نظرة المجتمع السوداني لست الشاي حيث أصبح هناك نساء يعملن في بيع الشاي في الطرقات ويقمن بالإنفاق على أسر كبيرة لدرجة أن بعضهن ينفقن على أبنائهن من عائد عملهن حتى اكملوا تعليمهم في كليات الطب والهندسة وهي من المجالات التي تحظى بالاحترام في الثقافة السودانية. تغير النظرة الاجتماعية لستات الشاي دفع الحكومة للتعامل بواقعية أكبر معهن حيث أصبحت مهنة ست الشاي معترف بها رسميآ ويتم العمل فيها بترخيص من السلطات المحلية بل إن اتحاد المرأة السوداني طالب الحكومة السودانية برعايتهن كما تصدى عدد من المثقفين السودانيين لظاهرة الاحتقار الرسمي والاجتماعي لستات الشاي ودافعوا عنهن بمنتهى القوة مثل الشاعر السوداني الشهير محجوب شريف والشاعر هاشم صديق والفنان الكوميدي جمال حسن سعيد وفرقة الهيلاهوب المسرحية وكذلك الشاعر السوداني أبكر آدم إسماعيل وعدد من الشعراء الشباب خاصة في المنتديات الشعرية في الجامعات السودانية حيث يقيم الطلاب علاقة من التقدير والاحترام مع ستات الشاي وفي المنتديات السياسية الطلابية (أركان النقاش) تُعتبر تحية ستات الشاي واجبة باعتبارها تمثل رمزآ للنضال والصمود والاستقامة ولكن رغم ذلك فلا تزال ثقافة احتقار ستات الشاي تتردد أصداءها بصورة خافتة ولكن أصبحت المهنة مقبولة اجتماعيآ ومحترمة على نطاق واسع. عندما بدأت ستات الشاي في الظهور في المدن السودانية كان ذلك في المناطق الطرفية والأسواق الشعبية والأسواق المخصصة جنبآ إلى جنب مع النساء العاملات في المهن الأخرى مثل بائعات الأطعمة وبائعات المنتجات اليدوية وأدوات التجميل النسائية البلدية والعطور
وكانت خدماتهن تقتصر على الشاي والقهوة ويجلسن في عرائش منخفضة مصنوعة بشكل مرتجل من المواد المحلية ويجلس الزبائن على المقاعد البلدية المعروفة باسم البنبر في اللهجة السودانية الحديثة ويتم تقديم الشاي والقهوة على صينية صغيرة وتوضع أكواب الشاي والقهوة (الجبنة) على ترابيز خشبية صغيرة لم يكن الماء المثلج والأكواب الزجاجية والبخور والتزيين الفني للطاولة التي تضع عليها ست الشاي أدواتها قد ظهر بعد.
تعتبر القهوة من المشروبات الأساسية ويتم تناولها داخل المنازل مصحوبآ بطقوس متفردة من حرق لأنواع معينة من البخور ومصحوبة بالفشار والمكسرات. فإن مهنة بيع الشاي شهدت تطورآ ملحوظآ حيث انتقلت من مجرد عمل يدر دخلآ صغيرآ على امرأة فقيرة إلى احتراف وعمل يدر دخلآ معقولآ لدرجة أن معظم المهاجرات الإثيوبيات والإريتريات يفضلن مهنة ست الشاي على الخدمة في البيوت والمؤسسات العامة بدخول هذه الفئات الاجتماعية انتقلت عادات جديدة لم تكن معروفة بشكل واسع من قبل إلى فنيات مهنة بيع الشاي مثل ضرورة تقديم الماء المثلج في أواني زجاجية قبل أن يطلب الزبون المشروب الساخن الذي يريده وكذلك تطوّر محل عمل ست الشاي من مجرد عريشة صغيرة من المواد المحلية (راكوبة) في سوق عام أو ظل شجرة لمكان مخصص لهذا الغرض وكثير من بائعات الشاي يملكن أماكن خاصة بهن في الأسواق السودانية ويدفعن الضرائب والرسوم الإدارية المختلفة كما أصبحت مهنة ست الشاي جاذبة للشابات بسبب الفقر والعطالة والإقبال الشديد عليها لعدم وجود أنشطة ترفيهية أو حياة ليلية، اغلب ستات الشاي يعتنين بمظهرهن ونظافة المكان وديكور المحل وتطورت الطاولة التي تضع عليها أدواتها من مجرد طاولة خشبية أو معدنية مسطحة إلى صندوق كبير ومزخرف بحبات الخرز أو الودع يتم رص الأواني الزجاجية الشفافة ووضع الأغراض المتعلقة بالشاي في البرطمانيات ما يعكس من خلال الزجاج الشفاف الألوان الجميلة والمتنوعة لما بداخل هذه الأواني وأحيانآ يتم وضع أغراض ليست لها صلة مباشرة بمهنة الشاي فقط من أجل الزخرفة والتزيين.سرعان ما استوعبت ستات الشاي السودانيات هذه التغييرات وبرعن فيها وتفوقن في بعض الأحيان على منافساتهن الإثيوبيات والإريتريات. هناك كثير من ستات الشاي يعملن بموجب رخص إدارية يتم استخراجها من السلطات السودانية المحلية المختصة بذلك ويدفعن الضرائب والرسوم الإدارية المختلفة وهذا الوضع منطبق حتى على الأجنبيات المقيمات بصورة شرعية وحاصلات على تصريح عمل بالسودان ولكن معظم ستات الشاي يعملن بعيدآ عن هذه الإجراءات وتقوم السلطات المحلية بحملات للقبض على بائعات الشاي اللواتي لا يعملن وفقاً لهذه الشروط و تقوم قوات خاصة من الشرطة تسمى شرطة أمن المجتمع بتنفيذ هذه الحملات وتعرف أيضآ باسم شرطة النظام العام.
لايقتصر دورهن على البيع فقط بل أصبحت (قهاوي الشارع) في السودان ملتقى للجميع بمختلف طبقاتهم يجلس عندها المثقفون والطلاب والعمال لتناول القهوة وتبادل الأحاديث.
فقد تحولت مهنة ست الشاي من مجرد مصدر مؤقت للرزق للأرامل والمطلقات والنساء الفقيرات إلى مهنة كفاح ومصدر أساسي لإعالة آلاف الأسر السودانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى