
شكراً جماهير جنوب السودان على حسن استقبال منتخبنا الوطني
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
رغم الانفصال السياسي الذي حدث بين السودان وجنوب السودان، إلا أن ما جرى في مدينة جوبا من استقبال أسطوري لمنتخبنا الوطني صقور الجديان أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الانفصال كان سياسياً فقط، أما الوجدان والدم والذكريات فلم تنفصل ولن تنفصل أبداً. لقد كان المشهد استفتاءً شعبياً عفوياً على وحدة القلوب قبل وحدة الحدود.
نحن جيل عاش وحدة السودان الكبير من نمولي إلى حلفا، كنا جيراناً في الحي الواحد نتقاسم اللقمة، وزملاء في مقعد الدراسة فالجنوبي في شمال السودان لم يكن يوماً ضيفاً أو لاجئاً، بل كان صاحب بيت وأخاً في النسيج الاجتماعي، يعمل أستاذاً وطبيباً ومهندساً ونجماً في الملاعب يهتف له الجميع. وحتى بعد الانفصال، عاد الكثير من الإخوة الجنوبيين إلى وطنهم وهم يحملون معهم ثقافة الشمال وطيبة أهله، فصححوا الكثير من الصور المغلوطة التي خلفتها خمسون عاماً من الحرب.
إن تاريخنا المشترك ليس تاريخ حرب فقط، بل هو تاريخ بطولة مشتركة. ويكفي أن نذكر أن رمزاً من رموز الوطنية السودانية ورائداً من رواد مقاومة الاستعمار، الشهيد البطل عبد الفضيل الماظ احد اعضاء جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924، هو ابن قبيلة النوير الجنوبية، ولد عام 1895 واستشهد وهو يهتف لحرية السودان الكبير. وكذلك الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور الذي عاش في الحاج يوسف بشرق النيل وترك فيها سيرة عطرة ومخبزاً لا يزال يعمل حتى اليوم شاهداً على أيامه.
وستظل الرياضة هي الجسر الذي لم تهدمه السياسة. فمن منا لا يذكر نجومنا الكبار من أبناء جنوب السودان الذين أفرحوا القلوب: منصور سبت وإدوارد جلدو وريتشارد جاستن وجيمس جوزيف وجمعة جينارو وأتير توماس وألوك أكوت وغيرهم. ويشهد التاريخ أن 90% من أبناء جنوب السودان يشجعون المريخ، وللتاريخ موقف لا يُنسى عام 2009 عندما لعب المريخ مباراته الأفريقية في كمبالا، فزحف المئات من مشجعيه من جوبا إلى يوغندا بالسيارات في رحلة شاقة ليهتفوا للمريخ. لذلك كان من الطبيعي والمنطقي أن نختار ملعب جوبا ليكون ملعبنا الوطني بعد أن فقدنا ملاعبنا بسبب الحرب، ففي جوبا نحن في بيتنا وبين أهلنا.
أما الثقافة والفن فهي الدليل الأبلغ على انصهارنا. فالشاعر الكبير عبد المنعم عبد الحي ابن قبيلة الدينكا الذي نشأ في حواري أم درمان وكتب أجمل روائع الغناء السوداني التي تغنى بها أحمد المصطفى وعثمان حسين وسيد خليفة وعبد العزيز محمد داؤود، هو نموذج حي لوحدة الوجدان. وكذلك الفنان وليم أندريا ورمضان زايد ابن الشلك والعباسية تقلي، ورمضان حسن ابن قبيلة الزاندي. وحتى المارشات العسكرية الخالدة في وجدان كل سوداني هي “شلكاوي 1 وشلكاوي 2”. وقد تغنى فنانونا بجمال جوبا، فأبدع النور الجيلاني في “مسافر جوبا” والجابري في “جوبا مالك عليا” ومحمود عبد العزيز في “مدينة جوبا”.
المجال لا يسع لسرد كل الذكريات، ولكن ما دفعنا لهذا الحديث هو ذلك الاستقبال الحار الذي وجده منتخبنا في جوبا. لقد أثبتم يا أهلنا في الجنوب أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، وأن إرادة الشعوب أقوى من اتفاقيات السياسيين.
من هنا نرسل رسالة شكر وعرفان بحجم نهر النيل من منبعه إلى مصبه إلى إخوتنا في جنوب السودان حكومة وشعباً. شكراً لأنكم استقبلتم منتخبكم قبل أن يكون منتخبنا، ويكفي أن يجمعنا اسم السودان الكبير، هنا سودان وهناك سودان، وسيظل سوداننا فوق، سواء كان شمالياً أو جنوبياً هواها.
كان اسمها أم درمان
كان العرس عرس الشمال
كان جنوبياً هواها
وكانت ساعة النصر
إكتمال الهلال
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com











