
الأرجنتين تودع ميسي على طريقتها الخاصة
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
منذ أن عرف الإنسان كرة القدم وهي تنجب في كل حقبة نجماً يختصر زمانه، نجوم كبار لا يزال التاريخ يتحدث عنهم حتى اليوم بكل فخر واعتزاز، منهم من أنصفته الثورة التكنولوجية ووثقت له الكاميرات وشرائط الفيديو مباريات خالدة ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال، ومنهم من ظلمته تلك التقنية لأنه جاء قبلها، فلم يره إلا من كان حاضراً في الملعب، فذهب مجده شفاهة بين الناس.
كرة القدم في الماضي لم تكن هذه اللعبة الناعمة التي نراها اليوم على البساط الأخضر والمكيفات والملاعب الهجينة، كانت لعبة الرجال الحقيقية، لعبة قاسية جداً تحتاج إلى مهارات استثنائية وقوة بدنية هائلة وقلب من حديد. كان اللعب على التراب والحجارة والطين وحتى على النجيل في بداياته يتطلب مهارة خارقة في السيطرة على الكرة وترويضها، وكان ارتداء الحذاء الرياضي الجيد ترفاً بحد ذاته وحلماً بعيد المنال، فكثير من أساطير الكرة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والسودان لعبوا حفاة الأقدام وصنعوا المجد بأقدام دامية.
قليلون جداً هم من تمكنوا من الوصول إلى العالمية، وربما هم في الحقيقة ليسوا الأفضل على الإطلاق، ولكنها كرة الإعلام والتسويق والتاريخ هو من قال ذلك وأنصفهم ورفعهم إلى مصاف الأساطير. وهناك بالمقابل آلاف المواهب المدفونة التي فضلت الانزواء بعيداً عن الأضواء طوعاً أو كرهاً، وهم يمتلكون مهارات قد تفوق بمراحل النجوم الحاليين والسابقين، وكم شاهدنا جميعاً بأعيننا لاعبين في ملاعب شعبية وحواري وأزقة ودوريات الأحياء لو وجدوا فقط قليلاً من الضوء والرعاية والاهتمام والفرصة العادلة لسحبوا البساط من تحت أقدام كبار النجوم الذين نراهم اليوم يتقاضون الملايين على الشاشات.
والمهم في الأمر أننا اليوم لا نتحدث عن أي نجم عابر، بل نتحدث عن نجم استثنائي يعتبر هو الأميز والأكثر استمرارية في كرة القدم الحديثة بعد جيل العمالقة والسحرة، جيل زين الدين زيدان ورونالدينيو الساحر ورونالدو الظاهرة وكارلوس فالديراما وديفيد بيكهام وروبرتو باجيو وباتستوتا، جيل المتعة الحقيقية والكرة من أجل الفن. حيث ظهر ليونيل ميسي، ذلك الفتى القادم من روزاريو النحيل الذي يعاني من نقص هرمون النمو، في توقيت حساس جداً شهد أفول نجوم كبار على مستوى العالم وفراغاً فنياً وروحياً كبيراً، فجاء ليملأ هذا الفراغ ويعيد للكرة سحرها وبريقها ويجعلنا نصدق أن المستحيل ممكن.
وقبلهم جميعاً كان هناك الأسطورة الخالدة التي لن تتكرر أبداً، دييغو أرماندو مارادونا، الرجل الذي لم يكن لاعباً بل كان شعباً كاملاً، كان يعتبر فريقاً بحاله، يلعب ويراوغ ويسجل ويقاتل ويشتم الحكام ويدافع عن الفقراء وحده. وفي اعتقادي الشخصي وتحليلي المتواضع الذي قد لا يعجب الكثير من أبناء جيلي، لن يجود الزمان بمثله أبداً، فرغم كل محاولات ميسي وكسره لكل أرقامه وتتويجه بكأس العالم، إلا أن مارادونا سيظل في وجدان الأرجنتينيين والعالم هو الأفضل عبر التاريخ، لأنه لعب في زمن أصعب، وبإمكانيات أقل، وحماية أقل من الحكام، وصنع المجد من لا شيء، قاد نابولي المغمور للقب، وقاد الأرجنتين للذهب وحده.
ولكن كما يقال إن لكل بداية نهاية، ولكل حكاية جميلة خاتمة، ولكل تانغو رقصته الأخيرة، فقد أتت اللحظة التي انتظرها الجميع وخاف منها الجميع في نفس الوقت، لحظة رحيل النجم ليونيل ميسي عن ملاعب الأرجنتين إلى الأبد.
وقد أحسنت بلاده وداعه بطريقتها الخاصة التي تليق بحجم أسطورة بحجمه. لم تكن مواجهة بنين الودية مساء الثلاثاء في المونومنتال مجرد مباراة تحصيل حاصل، بل كانت كرنفالاً للوفاء وملحمة للوداع. المونومنتال، معقل ريفر بليت التاريخي، ارتدى أجمل حلة، صور ميسي العملاقة ترفرف في كل مدرج، قميص أبيض سماوي عملاق برقم 10 يغطي المدرجات، الألعاب النارية تضيء سماء بوينس آيرس الحزينة، وآلاف الدموع في عيون 80 ألف متفرج حضروا ليقولوا وداعاً.
وجاءت اللحظة الأجمل بعد صافرة النهاية، حين أطفئت الأنوار ورُسم وجه ميسي في سماء المونومنتال بعرض خرافي بالطائرات المسيرة “الدرون”، وظهرت عبارة “Gracias Leo” ليبكي الصغير قبل الكبير.
لقد ودعوه كما يحب هو، بهدف على طريقته وانتصار وابتسامة خجولة وتلويحة أخيرة. وداع يليق بمن أسعد شعباً بأكمله لأكثر من 18 عاماً، وحمل عنهم همومهم الاقتصادية والسياسية لسنوات، وأخيراً حمل أغلى كؤوس الدنيا كأس العالم إلى بوينس آيرس بعد انتظار 36 عاماً من الدموع.
انتهت حكاية ميسي مع المونومنتال، لكن حكايته مع كرة القدم لن تنتهي أبداً، سيبقى اسمه محفوراً في كتب التاريخ بجانب مارادونا وبيليه كأفضل من لمس الكرة الصغيرة وجعلها تحب قدمه.
شكراً ميسي على كل لحظة فرح.. وشكراً للأرجنتين التي علمتنا كيف يكون الوفاء للأساطير.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com











