مقالات

ضياء الدين بلال يكتب : قوش وآخرون.. جرد حساب

خرطوم سبورت

قوش وآخرون.. جرد حساب
ضياء الدين بلال
أحياناً أسجل زيارات متفرقة لدار الوثائق، أقضي فيها ساعات طوال أقلب وأتأمل الصحف القديمة؛ بل أدقق في الأحداث والتصريحات ومواقف الرجال، وهم ـ على قول الشاعر عبد القادر الكتيابي ـ يمارسون لعبة التفكير بالألوان في كل المحافل.

السياسة في قاموس ساستنا هي قدرتك على فرض إرادتك على الآخرين؛ ولا يهم إن كان ذلك عبر صناديق الاقتراع أو صناديق الذخيرة، لا فرق.
السياسي ينتقل من موقف لآخر دون أن يدفع رسوم انتقال، فلا يعتذر عن تقدير خاطئ، ولا يبرر موقفه الجديد، بل يقفز مع أشعب وبنان من مائدة إلى أخرى دون أن يغسل يديه.. فالمواطن السوداني، في نظرهم، بسيط وساذج، ذاكرته أصغر من ذاكرة النمل.

المفارقات السياسية تملأ الكتب والمجلدات وتفيض؛ تتغير المواقف بتغير المواقع، تتكرر التجارب ويختلف المجربون، وتعود الدورة من جديد مثل إعلانات الشاشات المضيئة.

عزيزي القارئ، أستسمحك في عرض بعض هذه المفارقات التي قد تستفز البعض وتثير استياء آخرين:

السيد بابكر عوض الله هو السياسي السوداني الوحيد الذي تقلد رئاسة السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. استقال من رئاسة القضاء دفاعاً عن نص دستوري واحد في قضية حل الحزب الشيوعي عام 1965، لكنه مزق كل نصوص الدستور عندما شارك في انقلاب مايو69 وأصبح رئيساً للوزراء.

الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، ظل يقاوم التيار الانقلابي داخل الحزب ويدعم الخيار الديمقراطي، لكن صحف دار الوثائق تقول إن الرجل أيد انقلاب مايو وسعى لاستقطاب الدعم له من المعسكر الاشتراكي في مؤتمرات براغ واجتماعات موسكو، وخطط لتصحيح الانقلاب بانقلاب 19 يوليو.

السيد الصادق المهدي، صاحب شعار الديمقراطية عائدة وراجحة، هو ذات الرجل الذي شارك في نظام الحزب الواحد في عهد نميري ونظر له، وأدان التعددية في تصريحات محفوظة بدار الوثائق.

الدكتور حسن الترابي، الذي أشعل ثورة أكتوبر بندوة جامعة الخرطوم، هو نفسه من خطط لانقلاب الإنقاذ وسخر من أكتوبر في ندوة شهيرة بذات الجامعة عام 1993، ثم عاد لتمجيدها عندما خرج من السلطة عام 1999.

ولا تنتهي المفارقات، ولا يبقى في كأس العبر ما يبلل الحلق.
ومن غرائب هذا الباب ما استدعته المحاولة التخريبية في نوفمبر 2012 أو ما عرف بانقلاب ود إبراهيم ، إذ إن الضباط الأحرار بقيادة العقيد جعفر نميري قاموا، في 16 نوفمبر 1970، بفصل بابكر النور وهاشم العطا وفاروق حمدنا الله بحجة تدبير محاولة انقلابية لمصلحة الشيوعيين بوصفهم الجناح العسكري للحزب داخل الجيش؛ الأمر الذي مهد لانقلاب 19 يوليو.

نعم، ما أكثر العبر وأقل الاعتبار.

في أيام سطوة الترابي عام 1993 اعتقل الصادق المهدي وعومل معاملة خشنة على غير العادة، إذ أجلس على مقعد بثلاثة أرجل لساعات طوال.
وذهب ثلاثة من الصحفيين إلى الترابي محتجين على الاعتقال وسوء المعاملة، فلم يجدوا منه إلا السخرية والتبرير وتناول وجبة الغداء.

وفي عام 2004، عندما اقترب المهدي من محالفة الإنقاذ، اعتقل الترابي في زنزانة صغيرة، وكان أهم خبر تنقلته الصحف أن فأراً شريراً عض الشيخ في قدمه.

الفريق صلاح قوش الذي أجلس المهدي على ذلك الكرسي واعتقل الترابي في منزل كافوري، هو نفسه اعتقل في المنزل ذاته، بلا ذكر لذلك الكرسي.

والدكتور الحاج آدم، الذي طارده قوش من قبل باتهامات المحاولة التخريبية عبر الصحف والمنابر، جاء في وقت وهو في أعلى مؤسسات السلطة، وفي مؤتمر سياحي يهدد مدير المخابرات السابق بسيف الحسم..!
*نشر في عام 2012.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى