مقالات

د. فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب :الصمت أبلغ من الكلام

خرطوم سبورت

الصمت أبلغ من الكلام

*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
يتعرض الإنسان أحيانا لموجات من الصمت، وحين تسأله عن سر صمته قد لا تجد لديه إجابة مقنعة وهذا الأمر الذي نعايشه ونتشارك فيه بصور مختلفة يدعونا لأن نفكر معا للإجابة عن السؤال : متى تصمت عن الكلام؟ هل لأن الصمت يكون أحيانا أفضل إجابة عن بعض الأسئلة، أم حين يتجاهلك من تتحدث إليه؟ أم عندما يحرجك أحد أو يتطاول عليك بكلام غير لائق، أم عندما تتعرض لموقف يفقدك العقل والتفكير؟ هل تصمت حين ينتابك شعور بأن موضوع الحديث المطروح ليس لك به أي معرفة، أم حين تحاور شخصا لا يستحق الاحترام لأنه لا يفقه الكلام؟ أم حين تجالس أناسا يتخذون من الخوض في أعراض الناس وخصوصياتهم وسيلة للتسلية؟ هل تصمت حين تجد أن ما تشعر به أكبر من أن يعبر عنه الكلام، أم عندما يطرح موضوع ولا تجد ما تقوله؟ هل تضطر للصمت حين تحاور أناسا تفوقهم بخبرتك سنين كثيرة، أم حين تعرف أن صمتك يفرح آخرين أم حين تدرك أنه من باب الأدب فإن الأفضل يتكلم؟ هل تصمت حتى تتجنب الكذب؟ أم حتى لا يتم النظر إليك على أنك متملق؟ وأخيرا هل تصمت حين يكون الموضوع الذي تعرفه لا يتناسب طرحه مع الحضور سواء من حيث المكان أو التوقيت؟

تساؤلات كثيرة راودتني، وإجاباتها تتلخص في حقيقة رئيسة لخصها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه،حين قال: «إذا تم العقل نقص الكلام، وبكثرة الصمت تكون الهيبة»
وقيل جمال العقل بالفكر ، وجمال اللسان بالصمت ، وجمال الوجه بالعبادة ، وجمال الفؤاد بترك الحسد ، وجمال الحال بالاستقامة ، وجمال الكلام بالصدق.

فالكلمة أمانة توزن في ميزان القيم وتسجل في صحائف الأعمال، وتبنى بها القلوب أو تهدم . فبكلمة يبنى جسرا للسلام وقد تصبح شرارةً للفتنة.
وهناك تنبيه رباني يوقظ الضمير بأن كل حرف نطلقه هو شاهد علينا أو لنا.
قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
كما جعل الله الكلمة الطيبة في منزلة الشجرة المباركة، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

وفي الهدي النبوي الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
فالوعي الحقيقي ليس في كثرة القول بل في حكمة الاختيار : متى تتكلم؟ وكيف تتكلم؟ ولماذا تتكلم؟
وعي يجعل الكلمة دواء لمن لا داء، له وبناء لا هدم، ونورا لا دخانا.

اختر كلماتك كما تختار أثمن ما تملك واختر صمتك عندما يكون الصمت أبلغ من ألف خطاب فبين الكلمة والصمت تصاغ صورتك ويكتب أثرك وتقاس إنسانيتك ووعيك وعلمك واحيانا نصمت لان في الصمت احتقار
وقيل :
أول العلم الصمت والثاني حسن الإستماع والثالث حفظه والرابع العمل به والخامس نشره

وقد ذكر الشاعر فقال
إِن القليلَ من الكلامِ بأهلهِ . . . . حَسَنٌ وإِن كثيرَهُ ممقوتُ
ما زلَّ ذو صمتٍ وما من مكثرٍ . . . . إِلا يزلُّ وما يُعابُ صَموتُ
إِن كان ينطقُ ناطقاً من فضةٍ . . . . فالصمت درٌ زانَه الياقوتُ

وإذا أردت يا بني أن تشغل خصمك فكن صامتا لأن صمت العدو دائما باعث للحيرة والاستغراب.

وقال الحكماء عن الصمت : الصمت وقت الفوز : ثقة الصمت وقت الغضب : قوة الصمت وقت العمل : ابداع الصمت وقت الإساءة : حكمة الصمت وقت السخرية : ترفع الصمت وقت الإستفزاز : إنتصار الصمت وقت النصيحة : أدب الصمت وقت الحزن : شكواك لله وحده . لاتنطق بالكلام إلا إذا كان كلامك خير من صمتك
وأختمها بمقولة ألبرت أينشتاين : “الكون مثل غابات يسودها الصمت، وهي مدعاة للتأمل العميق، ولكنك تخشى منها في ظل عتمة ذلك الصمت الهائل، وتفزع عندما يكسر الصمت بحركة أو رشقة أو رنين أو حفيف أو فرقعة عظيمة ..

وأنا اقول
الكلمة مسؤولية والصمت حكمة والوعي هو الميزان بينهما.

مع كامل الود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى