
فساد.. الفساد..
عثمان ميرغني
للإمام أبي حامد الغزالي كتاب شهير اسمه «تهافت الفلاسفة». انتقد فيه مناهج الفلسفة والفلاسفة منذ أرسطو ثم اللاحقين في العصر الإسلامي أمثال الفارابي وابن سينا وغيرهم. رد عليه العلامة ابن رشد بكتاب عنوانه «تهافت التهافت». انتقد فيه كتاب الغزالي ودافع عن منهج استخدام العقل والمنطق في فهم الدين.
على النمط ذاته، يجوز أن نصف ما يدور في الأرجاء من حديث عن الفساد بـ«فساد الحديث عن الفساد».
سبق لي أن استخدمت هذا المنهج، «فساد الحديث عن الفساد»، خلال عهد الإنقاذ عندما اشتعلت حملة ضارية حول مرتبات بعض الدستوريين وأصحاب الوظائف التنفيذية الرفيعة. كانت الصحف يوميًا تدبج مقالات الرأي، وتتناول الوزراء ومحافظ بنك السودان ومدير الأسواق المالية وغيرهم، وتنشر تفاصيل مرتباتهم وتبكي على المال العام المسفوح في كشف المرتبات.
كتبت حينها وقلت: لا أحد يسرق راتبه.. مهما كان كبيرًا.. فهو مدون في كشف المرتبات وموثق في الميزانية ولا سبيل لإنكاره. لكن الذي لم تقله الصحف حينها أن نفس هؤلاء الوزراء والدستوريين وكبار الموظفين غالبًا لا يهتمون بصرف مرتباتهم، وربما تركوها تتراكم في الخزينة العامة لاستلامها دفعة واحدة عند الطلب. والسبب أنهم في الأساس ليسوا في حاجة إليها.. فالمال متوفر بأبواب بعضها لا يُرى بالعين المجردة.
وكتبت حينها أن أي من يكتب منتقدًا مرتب وزير أو مدير فإنما يساعد على زر التراب في أعين الشعب، ويجدر أن يُتهم بتضليل الرأي العام. بعض هؤلاء السادة الكبراء يكفيهم – في أدنى الافتراضات – مال النثريات الذي يُودع في خزينة المكتب كل شهر ولا يُجرد ولا يُطلب تفصيلاً لبنود صرفه.
الفساد الحقيقي يدور في دوائر أخرى.. ملايين الدولارات تصرف وكأنها «شوية فكة».
وبالضرورة، كلما كثر الحديث عن الفساد الأصغر (في المرتبات وحواليها)، ثار غبار ودخان يحجب البصر عن رؤية الفساد الأكبر.. وهو المطلوب.
لا أقصد بحديثي هذا غض البصر عن حلقات صغار المفسدين، بل أقصد أن ننظر بذكاء إلى المنابع التي يتدفق منها المال السائب. ضرب الفساد الأكبر يوقف الأصغر. بمعكوس حكمة عنترة بن شداد (اضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع)، هنا مطلوب ضرب الشجاع.. ولن يحتاج الجبان للضرب أصلًا.
منابع الفساد ليست أشخاصًا فحسب، بل إجراءات و«سيستم» يعمل بكفاءة عالية، لتتدفق الأموال في أنابيب أشبه بأنابيب النفط من الآبار إلى موانئ التصدير. من موارد الدولة إلى خزائن بعض الأفذاذ.
تذكر: كلما قرأت قصة فساد «هايفة».. «شوية مليارات بالعملة المحلية».. اعلم أنها الساتر الذي يُركب ليمنع النظر حيث تمشي ملايين الدولارات على رؤوس أصابع قدميها.
#حديث_المدينة الثلاثاء 31 مارس 2026






