
جرعة وعي : على مذبح المشاهدات
كتبت :د.فردوس عمر عثمان أبومدينة
أستاذ مشارك
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها تيك توك، مجرد وسائل للترفيه أو مساحات عابرة لتمضية الوقت، بل أصبحت بيئات مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وصياغة الذوق، وتوجيه السلوك، لا سيما لدى فئة الشباب. وفي ظل هذا التحول الكبير، برزت مظاهر مقلقة في نوعية المحتوى الذي يقدمه بعض المستخدمين، حيث بات السعي إلى الانتشار السريع يدفع البعض إلى تجاوز حدود اللياقة، والتفريط في قيم الحياء والكرامة، في سبيل مشاهدات عابرة وإعجابات زائفة.
إن أخطر ما تكرّسه بعض هذه المنصات ليس مجرد حب الظهور، بل إعادة تعريف النجاح على نحو مضلل؛ إذ أصبح عدد المشاهدات عند البعض معيارا للقيمة، وصار الانتشار يقدم بوصفه إنجازا، مهما كان الثمن الأخلاقي أو الاجتماعي لذلك. وهكذا يجد بعض الشباب أنفسهم منخرطين في سباق رقمي محموم، يزداد فيه التنازل كلما زاد التصفيق، حتى تتحول الكرامة إلى مادة للعرض، ويصبح الإنسان نفسه رهينة لنظرات الآخرين وأحكامهم العابرة.
كما وإن التراجع القيمي لا يحدث فجأة بل يبدأ بخطوات صغيرة يبررها أصحابها تحت لافتات متعددة، مثل “الترفيه” أو “مجاراة العصر” أو “صناعة المحتوى”. ثم لا يلبث هذا السلوك أن يتكرر حتى يفقد غرابته، ويتحول شيئا فشيئا إلى أمر مألوف لا يثير حرجا ولا استنكارا . وهنا تتجلى الخطورة الحقيقية، عندما يتآكل الحاجز الداخلي الذي يحفظ للإنسان توازنه، ويضعف حسه الأخلاقي، ويصبح الخطأ قابلا للتطبيع، بل وربما للإعجاب ايضا .
ولا تكمن المشكلة في المنصة نفسها بقدر ما تكمن في طريقة استخدامها، وفي درجة الوعي التي تضبط هذا الاستخدام. فوسائل التواصل يمكن أن تكون منابر للإبداع، والمعرفة، والتعبير الراقي، ونقل الخبرات، وبناء الصورة المشرفة للشباب، لكنها قد تتحول ايضا إلى فضاء للابتذال إذا غاب التوجيه، وضعفت الرقابة الذاتية، وتوارى الشعور بالمسؤولية.
في هذا السياق، تبرز الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول. فالمتابعة الواعية، والحوار الصادق، والاحتواء القريب، لم تعد ترفا تربويا ، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة هذا العصر. فالأبناء اليوم لا يعيشون فقط في عالمهم الواقعي، بل يقضون جزءا كبيرا من وعيهم وتفاعلهم داخل فضاءات رقمية متغيرة وسريعة التأثير. ومن ثم، فإن التربية الحديثة لم تعد تقتصر على التوجيه المباشر، بل تتطلب حضورا ذكيا ومواكبة مستمرة، وغرسا ثابتا لمعاني الكرامة، والهوية، واحترام الذات.
كما أن المسؤولية لا تقف عند الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المدرسة، والإعلام، والمؤسسات المجتمعية، والدولة كذلك. فالحاجة باتت ملحة إلى سياسات رشيدة، وبرامج توعوية مؤثرة، وتشريعات متوازنة، تضبط المحتوى المنفلت، وتحمي الذوق العام، وتصون الأجيال من الانجراف وراء نماذج سطحية ومشوهة. والمقصود هنا ليس التضييق على الناس أو مصادرة حرية التعبير، وإنما ترسيخ فهم صحيح للحرية بوصفها مسؤولية، لا انفلاتا وبوصفها حقا لا ينفصل عن الواجب.
كما إن الحضور الرقمي لم يعد شأنا هامشيا، بل صار امتدادا حقيقيا لشخصية الإنسان، وصورته، وموقعه داخل مجتمعه. وما ينشر في لحظة قد يترك أثرا طويلًا في السمعة والوعي والانطباع العام. ولهذا، فإن حماية الكرامة في العالم الرقمي ليست قضية شكلية، بل قضية وعي وهوية ومصير.
إن شبابنا أكبر من أن تختزل قيمتهم في مقاطع عابرة، وأرفع من أن تكون كرامتهم ثمنا لشهرة مؤقتة. وما تحتاجه هذه المرحلة ليس خطابا غاضبا يكتفي بالإدانة، ولا صمتا يفتح الباب لمزيد من الانحدار، بل مشروعا توعويا متكاملا يعيد ترتيب الأولويات، ويرسخ المعايير ويؤكد أن الإنسان لا يقاس بعدد من شاهدوه بل بما يحفظه من وقار وما يقدمه من قيمة، وما يتركه من أثر نافع.
فلننتبه جميعا ، أفرادا وأسرا ومؤسسات، إلى أن المعركة اليوم ليست على الشاشات وحدها، بل في العقول والقلوب والمعايير. وحتى لا تزبح القيم في صمت، علينا أن نواجه هذا الواقع بوعي، وأن نوجه أبناءنا إلى أن يكون حضورهم الرقمي مرآة لأخلاقهم، لا منصة لاستنزاف كرامتهم على مذبح المشاهدات.
مع كامل الود






