
*جرعة وعي*
“*من حسن إسلامِ المرءِ تركه ما لا يعنيه*”
*كتبت دكتورة فردوس عمر عثمان أبومدينة بروفيسور مشارك*
متن الحديث :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) حديث حسن رواه الترمذي وغيره .
الشرح:
أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، إلى الطريق الذي يبلغ به العبد كمال دينه ، وحسن إسلامه ، وصلاح عمله ، فبين أن مما يزيد إسلام المرء حسنا ، أن يدع ما لا يعنيه ولا يفيده في أمر دنياه وآخرته .
فالحديث قصير لكنه يختصر منهج حياة. فحسن الإسلام أن يعرف المرء ما يعنيه، فيلزمه، وما لا يعنيه، فيدعه.
وقد قرر القرآن هذا الأصل حين قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3).
فاللغو ليس فقط الكلام الفارغ، بل كل ما لا يترتب عليه : نفع في دين أو دنيا. والإعراض هنا فعل قوة لا ضعف لأن النفس تميل إلى الفضول والعين تتطلع والأذن تستزيد. لكن المؤمن يزن الأمور بميزان المسؤولية.
كما قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).
إنها رقابة السماء على همسات الأرض. فكل كلمة محسوبة، وكل تعليق مكتوب، وكل شائعة منقولة… أمانة في عنق قائلها. فكيف يليق بعاقل أن يملأ صحيفته بما لا يعنيه؟
ثم بين الله في ذلك قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36).
أي لا تتبع، ولا تخض، ولا تتكلم في شأن لا علم لك به، ولا ولاية لك عليه. فالخوض فيما لا يعنينا يورث قسوة القلب، ويشتت الفكر، ويبدد الطاقات.
وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله:
“إذا أردت أن تتكلم بشيءٍ، ففكّر؛ فإن كان فيه مصلحة فتكلم، وإن كان غير ذلك فاسكت.”
وقال بعض السلف:
“من كثر كلامه كثر سقطه.”
وما أكثر السقط في زمن المنصات المفتوحة حيث صار الناس أوصياء على نيات بعضهم، ومحللين لخطوات غيرهم، ومفتين في كل شأن بينما العمر أقصر من أن يهدر في مراقبة الآخرين.
إن ترك ما لا يعنينا ليس انسحابا من المجتمع، ولا تبلدا تجاه القضايا الكبرى بل هو ترتيب للأولويات: أن ننشغل بإصلاح أنفسنا قبل نقد غيرنا، وبأداء واجبنا قبل مساءلة غيرنا، وببناء ما في أيدينا قبل التطلع لما في أيدي الناس.
سُئل أحد الحكماء: ما علامة العاقل؟
قال: “أن يكون بنفسه مشغولًا.”
فانشغالك بعيبك أولى من تتبع عيوب غيرك، وسعيك لإتقان عملك أولى من نقد أعمال الناس، وحفظ لسانك أولى من كسب إعجاب
فليس كل ما يقال يجاب ، وليس كل ما يسمع ينقل ، وليس كل ما يعرض عليك يعنيك.
فاختر معاركك بعقل، وكلماتك بميزان، وصمتك بحكمة
فلنرب في أنفسنا فضيلة الانصراف عمّا لا يعنينا، لا عجزا عن الخوض، بل سموا عن اللغو ولا خوفا من الناس، بل مراقبة لرب الناس. فالعاقل لا يعرف بكثرة حضوره في كل شأن وإنما بحسن اختياره لما يحضر فيه.
دعْ ما لا يعنيك… يصف قلبك ، ويهدأ بالك، وتتفرغ روحك لما خلقت له.
فما ضاع عمر كان مشغولا بالإصلاح، وما نجا لسان أُطلق في كل اتجاه.
ولعل أصدق ميزان نختم به:
أن تجعل بينك وبين كل كلمة سؤالا :
هل ترضي الله؟ هل تنفع الناس؟ هل تضيف إلى رصيدي أم إلى خصومي؟
فإن لم تكن كذلك… فالصمت أرفع، والإعراض أنقى، وترك ما لا يعنيك… من تمامِ حسنِ إسلامك، ومن كمال نضج وعيك.
وتذكر إن إنشغالك بنفسك واشتغالك بتهذيبها وتقويمها، والسعي في تزكيتها ورفع قدرها بالعلم والعمل والخلق الكريم؛ اكرم لك وأبقى أثرا من التطلع إلى أحوال الناس.
فالمكانة لا تنال بتتبع الآخرين، وإنما تبنى بصمت مجتهد، وعمل متقن وسيرة مستقيمة حتى يرفع الله قدرك بين الخلق بما أصلحتَ في نفسك، لا بما تتبعت غيرك
فالصمت الواعي عبادة والتغافل خلقا ، والانشغال بما ينفع نجاة.
هذا مع كامل الود








