مقالات

محمد علي الماحي يكتب : أم مغد الكاملين

خرطوم سبورت

 

الفن الثامن | محمد علي الماحي

أم مغد الكاملين

لم يكن تأهل أم مغد الكاملين إلى دوري النخبة ضربة حظ عابرة، ولا نتيجة لحظة عاطفية عابرة في موسم مضطرب، بل كان ثمرة رؤيةٍ ووعيٍ وعملٍ تراكمي يعرف جيداً أن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالصدف، ولا تمنح مجدها لمن يسير في دروب العشوائية.

أم مغد… فريق القرية الصغيرة مساحة، الكبيرة كرماً وإبداعاً ورجالاً. هناك، حيث لا تُقاس الأحلام بعدد السكان ولا بضيق الجغرافيا، بل بسعة الطموح وصدق العزيمة، من تلك الرقعة الوادعة خرج فريقٌ يلعب كرةً تشبه الموسيقى، سريعة الإيقاع، رشيقة الحركة، متناغمة التفاصيل، كأنما كل تمريرة نغمة، وكل هجمة مقطعٌ من سيمفونية لا يكتبها إلا العاشقون.

هذا الفريق الممتع ارتكز على قوامٍ شاب ، بمعدل أعمار ربما هو الأصغر سناً في الدوري السوداني، لكنه كان الأكبر قلباً، والأصدق انتماءً، والأكثر جرأةً على الحلم. شبابٌ يركضون بثقة، يلعبون بوعي، ويؤمنون أن الموهبة حين تُصقل بالانضباط تصبح مشروع بطولة.

وخلف هذا الانسجام الموسيقي يقف “موسيقار التدريب” الهادئ، البسيط، الصامت… المدرب جندي نميري رجل لا يرفع صوته كثيراً، لكنه يرفع سقف الطموح عالياً، يصوغ الأداء كما تُصاغ القصائد، ويزرع الثقة كما تُزرع السنابل في موسم الخير، إلى جواره الكابتن الخلوق المهذب عبدالإله بشرى، نموذج القائد الذي يقود بالفعل قبل القول، ويجسد معنى الالتزام داخل الملعب وخارجه.

وفي كواليس الجهد الخفي، كان رجل الأحمال بقيادة الشاطر بكري “أنو” ينسج لياقةً تشبه الخيول الجامحة، ويعدّ الأجساد لمعركة التسعين دقيقة، بينما أبدع مدرب الحراس محمد علي الصياد في صناعة حراسٍ يقفون على خط النار بثبات الجبال، أما مدير الكرة الخبير أحمد حداثة، فقد كان ذاكرة الدوري وبوصلته، يقرأ المشهد بخبرة العارف، ويهيئ الأجواء كما ينبغي لفريقٍ يطارد حلماً كبيراً، ولن نوصف دور الطبيب الإنسان ملك الإبتسامة والريحانه التي تهب روحًا مرحة وتطيب وعلم وطب محمد عبدالله.

ولا يكتمل المشهد دون الوقوف عند رجلٍ آمن بالفكرة فصارت واقعاً رئيس النادي محمد أبو عوف الشهير بـ ” أبو أواب ” الذي قدّم كل شيء من أجل الفريق، فكان الداعم والسند والظل الوارف وقف خلف لوحة النجاح بثقة، ومنح المشروع ما يحتاجه من استقرار وإيمان. وإلى جانبه المدير العام مهند كمال، الذي يستحق – من وجهة نظري – لقب أفضل مدير عام في الدوري الممتاز ، لما أدار به المنظومة من احترافية واتزان وهناك أيضاً صدام الضو، ذلك الضوء في الظلام، حضورٌ راقٍ يذكّرك أن خلف كل إنجاز رجالاً يعملون بصمت.

تأهل أم مغد إلى النخبة لم يكن مفاجأة لمن يعرف تفاصيل الحكاية، بل كان نتيجة منطقية لتخطيطٍ سليم ودراسةٍ واعية وإدارةٍ تؤمن بأن البناء الحقيقي يبدأ من القاعدة.. أمتع الفريق عشاق الساحرة المستديرة، وقدم نموذجاً لما يمكن أن تفعله الإرادة حين تتسلح بالفكر.

أم مغد اليوم في دوري النخبة… لكنها في الحقيقة صعدت منذ زمن، يوم قررت أن تحترم الحلم ممثل في مجلس الإدارة وأن تعمل له، وأن تؤمن بأن القرى الصغيرة قادرة على صناعة مجدٍ كبير عبر أداة الإمتاع الأولى كرة القدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى