
أطلقوا سراح الدولة
عثمان ميرغني
يقلقني الوضع الراهن للدولة السودانية؛ فحتى لو انتهت الحرب اليوم، فلن يُعوِّض ذلك الضرر الذي لحق بالماضي، ولن يضمن مستقبلًا يليق بمواردنا الوفيرة.
الدولة – أي دولة – تشبه جهازًا معقدًا ضخمًا يدير حركته ومهامه على مستويات متعددة: عمليات متوازية لكنها منسقة ومتناسقة، تحافظ على إيقاعها وخطواتها المنتظمة نحو الأمام.
في الوضع الراهن بالسودان، الدولة “مسطحة”؛ أي إنها تباشر أعمالها وكأنها طبقة واحدة تركز على مهمة واحدة فقط، بدلاً من أن تكون طبقات متعددة، تنصرف كل منها إلى أداء مهامها بأفضل صورة دون انتظار توجيه أو تعليمات من الأعلى.
ويزيد من الإحباط كثرة الاحتفاء بالإنجازات الوهمية والانتصارات الصغيرة، التي – للأسف – يضخمها الإعلام غفلةً أو عمدًا، ويجتهد في إقناع المواطن السوداني بأن ما يتحقق أمر يستحق الإشادة والتقدير.
صحيح أن بعض الأعمال الصغيرة تمثل تقدمًا وخطوة إلى الأمام، لكن عندما تُبرز بصورة احتفائية مبالغ فيها، فإن ذلك يؤدي إلى طمس المقاييس الحقيقية للواجبات الحتمية التي يجب تنفيذها بأعلى درجات الأداء.
على سبيل المثال لا الحصر: الاحتفال بفتح فرع بنك في حيٍّ ما، أو تدشين تكية، أو زيارة وزير لمؤسسة أو مقر مجتمعي، أو فتح شارع طوله لا يتجاوز كيلومترًا، أو مشاركة رسمية في فعالية خارجية، أو عودة وزارة إلى مقرها في الخرطوم.
نعم، كلها انتصارات، لكن قياسًا بما هو مطلوب وبما ينتظره الشعب من آمال المستقبل بعد كل هذا الخراب، تبدو مجرد نقاط بيضاء في ظلام دامس.
منهجيًا، نحتاج إلى دولة متعددة الطبقات (Layers)، كل طبقة تعمل في مجالها وتصنع انتصاراتها، فتنطلق هديرًا جبارًا لا يتوقف ليلًا ولا نهارًا، طموحات كبيرة تتحقق خطوة بخطوة، يعلم الشعب ما هو المطلوب وما المتوقع، وما تحقق فعلاً، وبأي سرعة تسير عجلة البلاد.
بعد قرابة عام من تحرير الخرطوم، تغرق البلاد في نقاشات لا تنتهي حول صيانة 150 مترًا من كبري الحلفايا: يُعلن عقد المقاولة في مؤتمر صحفي، ثم تبدأ المباراة الحامية في السجال الذي لا ينتهي… كل ذلك مقابل 11 مليون دولار فقط، من أصل 300 مليار دولار قيل إنها تكلفة إعادة العاصمة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب (من حيث التخلف والبنية التحتية).
من الواضح أن هذا الإيقاع لم يكن ليُناسب البلاد حتى لو لم تكن هناك حرب ودمار وتعطيل لمؤسسات الدولة.
من الحكمة أن ندرك أن الدولة كائن متعدد النشاطات في مختلف الاتجاهات، ولا يتحقق ذلك إلا بمنهج علمي وعملي يسمح لكل العقول أن تكون شريكة في البناء والعمل.
لفت نظري كثرة المقترحات التي تُقدَّم من شتى قطاعات المجتمع، لكن بسبب عجز العقل التنفيذي للدولة عن توسيع دائرة التفكير والقرار، وإصرار الوزراء والقيادات على احتكار التفكير والقرار، تتبدد كل الأفكار والمقترحات الخبيرة، وتظل الدولة عالقة في سلحفائية محبطة.
أطلقوا سراح الدولة السودانية لتنطلق وترفرف في فضاء واسع.
#حديث_المدينة الأربعاء 18 فبراير 2026







