الاخبار

إسماعيل شريف يكتب : حين تتحول الكلمة إلى سلاح

خرطوم سبورت

 

إسماعيل شريف يكتب : حين تتحول الكلمة إلى سلاح

إسماعيل شريف

عندما تشتعل الحروب لا يموت الناس بالرصاص وحده بل قد تقتلهم الكلمات أيضاً فالكلمة المحرضة قادرة على إشعال الكراهية وتبرير العنف وتحويل المجتمعات المنقسمة إلى ساحات مفتوحة للانتقام. ولذلك لم تكن الصحافة يوماً مجرد مهنة لنقل الأخبار بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أي شيء آخر.

غير أن الحرب في السودان كشفت عن أزمة عميقة داخل بعض دوائر الإعلام السوداني، حيث تراجع الخط الفاصل بين الصحفي والمقاتل، وبين التغطية المهنية والدعاية الحربية. وتحولت بعض المنصات الإعلامية وصفحات الصحفيين إلى ساحات تعبئة وتحريض، بدلاً من أن تكون منابر للحقيقة والتوازن والدفاع عن المدنيين.
فخلال الحرب، ظهر عدد من الصحفيين بخطاب منحاز بصورة كاملة، أقرب إلى التعبئة السياسية والعسكرية منه إلى العمل الصحفي التقليدي،
فالحرب أفرزت عشرات النماذج من مختلف الاتجاهات السياسية والعسكرية، حيث انخرط بعض الإعلاميين في خطاب الكراهية، ونشر الشائعات، والتخوين الجماعي، والتبرير العلني للانتهاكات، بل والتحريض أحياناً على العنف والانتقام. وبعضهم لم يعد يكتفي بإبداء المواقف السياسية، وإنما تحول عملياً إلى جزء من ماكينة الحرب النفسية والدعاية العسكرية.
المشكلة الأكبر أن هذا الانهيار المهني لم يعد مقتصراً على الأفراد، بل امتد إلى بعض المنصات الإعلامية التي فقدت التوازن تماماً، فأصبحت تتعامل مع الضحايا وفق الانتماء السياسي أو الجغرافي، وتدين الجريمة إذا ارتكبها طرف، وتصمت عنها إذا جاءت من الطرف الآخر.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالصحافة التي تفقد إنسانيتها تتحول إلى وقود إضافي للحرب، والصحفي الذي يبرر الدم يفقد أهم ما يمنحه شرعية المهنة وثقة الناس .

ومن المؤسف أن السودان، الذي يواجه واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث، كان في أمسّ الحاجة إلى إعلام مهني يخفف الاستقطاب، ويحمي النسيج الاجتماعي، ويدافع عن المدنيين، لا إلى إعلام يغذي الانقسام ويعمق الكراهية.
إن حرية التعبير لا تعني حرية التحريض، والانحياز السياسي لا يبرر السقوط الأخلاقي، والاختلاف في المواقف لا يلغي واجب الالتزام بالحد الأدنى من المهنية والصدق واحترام الإنسان.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس حملات انتقام ضد الصحفيين، وإنما مراجعة شاملة لأخلاقيات العمل الإعلامي في السودان، وإعادة الاعتبار لميثاق الشرف الصحفي، ومحاسبة كل من استخدم المنصات الإعلامية للتحريض على العنف أو نشر الكراهية أو تزييف الحقائق، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو العسكري.
فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تبنى أيضاً بالكلمة المسؤولة.
وإذا كان من درس قاسٍ كشفت عنه هذه الحرب، فهو أن انهيار أخلاق الإعلام قد يكون أحياناً أخطر من انهيار الجبهات العسكرية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى