مقالات

عزمي عبد الرازق يكتب : ما لم أقله في لقاء رئيس مجلس السيادة

خرطوم سبورت

 

ما لم أقله في لقاء رئيس مجلس السيادة
عزمي عبد الرازق
التقيت الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة نحو ثلاث مرات قبل الحرب، وكنت في إحداها أخبرته بأن الملأ يأتمرون به، لأنني سمعت عبد الرحيم دقلو يتوعده بمصير موسى هلال، كما رأيت مصادفةً عدد من المشعوذين الأفارقة وهم يتنقلون ما بين ضاحية الرياض ومقر شركة الجنيد، كانت لديهم مهمة محددة، التعمية والسحر، وجعل القائد العام سجيناً لثقة نائبه حمدان، لا يريه إلا ما يرى. أوجست في نفسي خيفةً في البدء، ثم توجهت إلى مكتبه في بيت الضيافة، وأخبرته بما علمت. أذكر أن الرجل نظر إليّ وابتسم، ولم يعقّب، كان العقيد ركن مدثر عثمان عبد الرحمن حاضراً حينها، ولا يزال بذات الوفاء والتحفز.
مما استقر في ذهني بعد ذلك اللقاء أن قائد الجيش كان محيطاً بكل التقارير، لكنه كان يتجنب الحرب، ويعرف أن تبعاتها سوف تطال المدنيين، وأن الجنجويد لن يرحموا رجلاً ولا امرأةً، وسوف تحترق بأحقادهم المدينة. كان يتجنب الحرب بكل الطرق، ويعرف، وهو الجنرال الذي خاض المعارك طويلاً، «إن تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذَميمةً»، وما الحرب إلا ما علم وذاق، ثم تجرعناها كلنا بشق الأنفس، ولم يشاورنا فيها أحد. غدروا بنا وبه، ولذلك بدا شديد التأثر وهو يستذكر بالأمس شهداء الحرس الرئاسي، قال إنه كان يحاول منعهم من التقدم، لكن الواجب وحماية القائد فوق كل اعتبار.
قالها الشهيد العقيد أحمد النور الإمام، قائد مجموعة الحماية المرابطة داخل بيت الضيافة: «سنقاتلهم حتى النهاية، لابد أن نخرج القائد العام بأمان.. سقوط القائد العام يعني سقوط الجيش، وسقوط الجيش يعني سقوط الدولة». ثم لقي ربه مقبلاً غير مدبر.
مشيت على ثرى القيادة العامة ببطء، كان ثمة نداء يتردد في أذني، إحذر ربما تطأ قدمك دم شهيد تعفر بهذا التراب، ربما كان خاتم زواجه مدفوناً هنا.. فجأة أطلت صورهم وهم يعبرون من تحت الدخان والرصاص إلى السماء، بذات الشجاعة والبسالة التي عُرف بها قائدهم، وأدار بها معركة الكرامة، إلى اليوم، حتى عادت الخرطوم في منتهى الخفة والحبور، بمطارها وأسواقها وفنادقها ومزارعها وبعض من أهلها، وهي نفسها المدينة التي تغنى لها الشريف زين العابدين الهندي
حبابك عشرة يا بت مقرن النيلين
حبابك يا أم عجن بعد العديل والزين
حبابك يا المحكرة في الفؤاد والعين
حبابك يا المغسلة بطهور مويتين
كان لافتاً ومثيراً ـ بالنسبة لي على الأقل ـ حرص البرهان على البقاء في بيت الضيافة، بين جدران الذكريات والدموع، يستقبل ضيوفه من داخل القيادة العامة، قلعة الصمود، ولا تكاد تنفكّ من مشاهد الحصار الدامية، وجنود الخائن الهارب تجوس الديار، يأتمرون به ليقتلوه أو يأسروه، فغدروا بالضباط والجنود الذين كانوا، قبيل ساعات، يقتسمون معهم فطور رمضان في القصر الجمهوري، لكن ﴿لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. أين هم الآن؟ من أوهام «نحن مسيطرين»، و«سلّم يا برهان»، إلى التخفي في وديان دارفور خشية أن تهجم عليهم مسيّرات الجيش.
لم يهربوا خوفاً من الأسلحة الكيماوية المزعومة، ولكن ضاق بهم الحصار، وأحكمت المتحركات عليهم الخناق، وتسللت القوات الخاصة إلى مخادعهم، وأراهم جنودنا من البأس ما أدخل في روعهم، إذ أنه، وبلا مبالغة، كم فتىً في متحركات الجيش يشبه حمزة، بالخشوع المحض، والتقديس، والحب المقيم؟ أو كما أنشد صلاح أحمد إبراهيم، الذي كان دائماً يفاخر بأهله «الشُّمُّ الغطارفْ.. الضامرينَ كالسِّياطْ.. الخارجينَ من الدواوينِ ومن خَلْفِ المَحَارِثْ»
أو بالأحرى، المستميتين وقوفاً في المواقف.
في ذات اللقاء، استحضر البرهان مقولة الفيلسوف والدبلوماسي والكاتب الفرنسي جوزيف دي ميستر: «كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها»، وألمح إلى أننا نستحق الأفضل، إذ بدا حزيناً على حال الناس، وتحدث عن الاقتصاد والغلاء بمرارة من يشعر بمعاناة الجميع، لكنه آثر أن يصبر على هذه الحكومة، ثمة أمل ربما، ولا يريد التدخل في عملها، إلى حين.
أحياناً يقدم الجيش الدعم والمساندة، وقد رأينا اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم، برئاسة الفريق مهندس بحري إبراهيم جابر، وهي تعمل على وضع وتنفيذ خطة شاملة لإعادة الحياة والخدمات والمؤسسات الحكومية والمواطنين إلى العاصمة، وقد أثمرت جهودها، ولا يمكن بالمرة تجاهل الأدوار البطولية التي قامت بها منظومة الصناعات الدفاعية في معركة البناء والإعمار، وهي تعمل في صمت، عضداً للجيش وسنداً للمجتمع. وكذلك شركة زادنا، من المجحف أن نغمطها أدوارها. ثم تجد من بعد كل ذلك من يقول لك “العسكر للثكنات!”.
بدا رئيس مجلس السيادة في ذلك اللقاء أكثر حضوراً وطلاقةً، وكذلك مما التقطته من حديثه وثباته على مواقفه من عودة الدعم السريع، والوصاية الخارجية، واعتراضه على اقتسام السلطة مع كل من يحمل السلاح، ودمج الحركات المسلحة في الجيش، وتسويق هذه المبادئ الوطنية، إلى جانب هجومه على الحرس القديم من جماعة الإنقاذ، بدا لي أنه، أي البرهان، اكتسب ثقةً في نفسه، ولم يعد أسيراً لأي مخاوف أمنية أو ضغوطات خارجية.
ولعل شعبيته اليوم، كبطل حرب يفتأ ينشد سلام الشجعان، أنه بات قريباً من مقعد الرئاسة، وسواء خاض التجربة بعد خلع البدلة العسكرية وترقى إلى رتبة المشير، بالتفويض أو الاستفتاء، أو حتى بالانتخابات، فسوف ينالها بكل جدارة، وسوف يحجز مقعده بكل ثقة رئيساً للسودان بإرادة شعبية.. فهل يفعلها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى