
تعليم.. دواء.. ونعيش سوا..!!
اجتهد كثير من المواطنين والناشطين والإعلاميين في وسائل التواصل الاجتماعي لاستدعاء النازحين واللاجئين وتحفيزهم إلى العودة عقب تحرير الخرطوم، قدموا الكثير من الاغراءات ومشاهد التعافي للعاصمة بغية أن يكون ذلك تحفيزا للحنين داخلهم إلى الشوارع والمقاهي والزقاقات اللطيفة، وشحذا للذكريات والناس والتفاصيل الصغيرة التي يعرفها من عاش في الخرطوم.
معظم الفيديوهات كانت تركز على التعافي باستعادة المطاعم والكافتيريات وشارع النيل، ولعلني نظرت إلى ذلك من زاوية أخرى، وحسبت أنهم يستدعون العطالى من “العطلة برة” إلى التبطل في الوطن الذي يرقد على أنقاض الخراب والدمار والرماد، ولعلها “فكرة كويسة” كون أن يعود أي شخص إلى داره، ولكنها ليست أولوية، ولا يحتاج السودان الآن عودة العطالى، بقدر ما عليه أن يستدعي الذين يرغبون في التعمير والبناء.
أولياء الأمور لا ينظرون إلى عودة شارع النيل، والكافتيريات الزجاجية الأنيقة ذات الإضاءة الملونة الساحرة، هم يفكرون في أبنائهم، مستقبلهم، مدارسهم، صحتهم وأمنهم، لذلك ستجد كل والد ووالدة يبحثون عن عودة المدارس القريبة للعمل، عن المستشفيات المجاورة، وبعدها لا يهمهم إن تم إعادة ونظافة شارع الستين أو النيل أو تركوه “وسخان” فالأمر ليس داخل دائرة اهتمامهم مطلقا..
بشريات العودة واستعادة الحياة ليست في التركيز على الأسواق، ولا نظافة الشوارع، ولكن في مراكز بناء الإنسان في المدارس، وكل ولي أمر لو ضمن المدرسة والمركز الصحي لحزم أمتعته اليوم قبل الغد وعاد إلى داره لتعميرها من جديد.
إننا نحترم ونقدر ونتمن كل الاجتهادات التي قدمها الناشطون في الميديا للتبشير بعودة الخرطوم، ولكن الرسالة الإعلامية الرسمية الموجهة ينبغي أن تدرس نفسية الناس وأن يقدم القائمون على الأمر الأولويات المهمة للمواطن البسيط قبل الشروع في التنفيذ، فالمدارس أولى من الكباري، والمستشفيات أولى الشوارع، والكتاب أهم من ملاعب الكرة، فكل الأولويات التي ذكرناها هي الأقدر على إعادة الناس إلى ديارهم من جديد.
معظم سكان الخرطوم لا يرتادون الأماكن الترفيهية إلا فيما ندر وللضرورة القصوى، وهو مشهد من مشاهد الترف لبلد خرجت لتوها من أتون الحرب، وعليها أن تنتج عقولا للبناء، وليس مزيدا من التعطل في المقاهي، “والصياعة” في شارع النيل..
المدارس والمستشفيات..
ثم المدارس والمستشفيات..
ثم المدارس والمستشفيات..
ولا شيء أهم من ذلك في الوقت الراهن..
وكما يقول صديقي عمار قطبي:
ياهو الرفيق .. نور الطريق..
فانوس فرحنا الما انطفا..
تعليم.. دواء..
ونعيش سوا..
العيشة ماها المترفة..!!
…..
يس علي يس
16 فبراير 2026م









