
*جرعة وعي : الصيام الرقمي والزهد التكنولوجي*
*كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة*
*أستاذ مشارك*
لا أذكر على وجه الدقة متى كانت المرة الأولى التي سمعت فيها مصطلح «الصيام الرقمي»، ولكني أذكر أنني وضعته على أجندة كتاباتي في الثقافة الرقمية ثم اشتغلت عنه بأولويات وقضايا أخرى إلى أن وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع هذا المصطلح بعد أن قررت بمحض إرادتي تنظيم استخدامي للمنصات الرقمية، وأن أتبع نظام الصيام الرقمي لساعات يوميا.
ويثير الصيام الرقمي خلافا بين فريقين الأول يدعو ويروج له ويحث الناس على اتباع حمية رقمية تجنبهم مخاطر الضغوط النفسية والعصبية والإدمان الرقمي وتعيد إليهم إحكام السيطرة على حياتهم. والثاني يرى أنها دعوة لا يمكن تنفيذها لارتباط حياة ومصالح البشر بالمنتجات والأجهزة الرقمية ارتباطا وثيقا، كون التكنولوجيا الرقمية تلبي احتياجات إنسانية أساسية لم يعد بالإمكان الاستغناء عنها. لم يعد الناس يجولون في الشوارع كل مساء أو يتصلون ببعضهم البعض للتحدث ربما لساعات عبر الهواتف الأرضية. فالإنترنت اندمجت في حياة البشر وأصبحت جزءا منها، لذا فإن الصيام الرقمي لن يؤدي- من وجهة نظر معارضيه- إلا إلى حرمان أنفسنا من تلبية احتياجاتنا الاتصالية الأساسية، ويُدخلنا في حالة من «الزهد التكنولوجي» لا ضرورة لها( وللحديث بقية).
والصوم الرقمي يعني :
أن نمتنع عن فضول التصفح
أن نتحرر من إدمان الإشعارات،
أن نراجع نوايانا قبل كل نشر،
أن نجعل التقنية خادمة لرسالتنا لا سيدة على أوقاتنا.
هو تدريب على استعادة السيادة على الذات، وعلى إعادة ترتيب الأولويات، وعلى صيانة القلب من التبلد الذي يصيب من يستهلك كل شيء دون تأمل.
قال بعض الحكماء:
“من أكثر النظر تبلّد قلبه.”
فكيف بمن أكثر التحديق في عالم افتراضي حتى غاب عن واقعه، وعن أهله، وعن نفسه؟
الصوم الرقمي هو تحرر من التشويش واستعادة لصفاء البصيرة.
هو أن نحسن الاختيار، ونقلل التشتيت، ونسترد صفاء القلب، حتى لا نصبح أسرى للشاشة، ونحن نظن أننا أحرار
الصوم الرقمي هو ضرورة أخلاقية وتربوية لحماية القلب والعقل بما لا يفيد وينفع
وبما إننا نعيش زمن التدفق اللا منتهي صور أخبار، جدالات، مقاطع، وتعليقات تتزاحم على مساحات وعينا حتى أصبح بعضنا صائما عن الطعام مفطرا على الغيبة واللغو وتتبع العورات عبر الشاشات.
يقول الله تعالى:
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: 30)
وغض البصر اليوم لا يقتصر على الشارع، بل يمتد إلى شاشة الهاتف فكم من نظرةٍ رقمية أورثت قسوة قلب وكم من متابعة عابرة فتحت باب مقارنة وحسد وسخط .
ويقول سبحانه:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)
فكل تعليق
نكتبه وكل إعادة نشر وكل كلمة نضغط عليها داخلة في هذا الميزان مسؤوليتنا . فالمنصات ليست خارج دائرة التكليف كما إن التغريدات خارج سجل الأعمال.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه).
فالصمت الرقمي عبادة، كما أن الكلام الرقمي مسؤولية.
فهل امتلأت هواتفنا إلا بما لا يعنينا؟ أخبار الناس، جدالات لا تنتهي قضايا لا نحسنها، ونقاشات لا نملك أدواتها واتهامات لا نمتلك أدلتها.
وكان السلف يقولون:
“الكلمة أسيرة في وثاق الرجل فإذا تكلم بها صار أسيرها.”
فكيف إذا كانت الكلمة مكتوبة محفوظة قابلة للنشر بلا حدود ولا زمن.
فلنجعل لنا خلوة من شاشة كما لنا خلوة مع مصحف،
ولنمنح أرواحنا فسحة صمت نسمع فيها نبضها
فما كل ما يعرض علينا يستحق أن يدخل قلوبنا.
الصوم الرقمي
عودة.
عودة إلى أنفسنا، إلى بيوتنا إلى دعاء خافت في جوف الليل، وإلى لحظة صدق بيننا وبين الله.
فإذا ضاق صدرك فأغلق نافذة العالم، وافتح نافذة السماء،
وإذا أثقلتك المقارنات فاذكر أن لك عند الله شأناً لا يقاس بعدد المتابعين
وإذا شغلتك الشاشات فتذكر أن العمر أقصر من أن يستهلك في ما لا يبقى.
اللهم اجعل قلوبنا أصفى من شاشاتنا
وأوقاتنا أكرم من أن تهدر ،
وأعمالنا أصدق من أن تكون للعرض
وارزقنا وعيا يحرس أرواحنا كما نحرس أجسادنا.
كما نسألك أن ترزقنا وعيا يصوم عما لا ينفع
وقلوبا تحسن التمييز،
والسنة رقميةً لا تقول إلا حقا ،
وأوقاتا معمورة بما يقربنا إليك.
هذا مع كامل الود والتقدير






