مقالات

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب: جرعة وعي – (أيام معدودات)

خرطوم سبورت

 

د.فردوس عمر عثمان أبومدينة تكتب: جرعة وعي – (أيام معدودات).

ما أسرع انقضاء مواسم النفحات وما أوجع رحيلها على القلوب التي ذاقت حلاوتها…
ها هو رمضان ذلك الضيف المهيب قد شدّ رحاله مودعا بعد أن أظلّنا بأيام مباركات، اصطفاها الله من بين سائر الأيام، فقال فيها :
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]،
فكانت على قِصرها ميدان تزكية ومحراب قرب وسِفر نورٍ لمن أحسن التلقي وأجاد المسير.
ها قد أزف الرحيل وأطلت لحظات الوداع…
ووقفنا على عتبة الفراق وقفة محاسبة وتأمّل؟
فلم يعد السؤال: أأدركنا رمضان زمانا ؟
أأدركناه إيمانا ومقصدا ؟
وهل وعينا مراده منا فاستجبنا له قلبا وسلوكا؟
لقد قال جل شأنه :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]،
فجعل الغاية هي التقوى لا العادة وجعل المقصد تهذيبا لا امتناع.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه”،
وقال محذرا أيضا : “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”
فما كل من صام سَما ولا كل من قام صفا
وإنما العبرة بصدق المقصد، ونقاء الأثر.

فهو ليس عددا يستوفى ولا طقوسا تؤدى،
هو حال يرتقي ، ونور يستبقي.

فانظر في ختامه نظرة محاسب لنفسه:
هل لان قلبك ؟ وهل رقّ دمعك؟
وهل آثرت خلوةَ القرب على صخب الدنيا؟

فإن وجدت ذلك فابشر… فقد بلغ رمضان شغاف قلبك.
وإن لم تجد، فاعلم أن المواسمَ إذا ولت ولا تعود بذات الصفاء.
تأمل في حال السلف الصالح،
كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان،
ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم،
خشية أن ترد أعمالهم، وهم لا يشعرون
وقد قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]،
فالعبرة بالقبول لا بالمقام
وبالإخلاص لا بالإكثار.
فلا تغتر بتمام الصيام
ولا بطول القيام،
ولكن اجعل همك : هل رفع العمل؟ وهل قبل الأثر؟
واجعل من الختام بداية
فرب رمضان هو رب الدهر
والطاعة التي تنقطع بانقضاء الموسم لم تترسّخ بعد في القلب.
وقد قال صلى الله عليه وسلم:
“أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”
فداوم… ولو بالقليل
فإن الاستمرار سر القبول وعلامة الصدق.

اللهم اجعل رمضان ختام خير لا نهاية له،
ولا آخر عهدنا بالطاعة، ولا آخر موسم قرب.
واجعلنا ممن إذا ودّعوا الشهر… لم يودعوا ربّ الشهر،
ثابتين على طاعتك، مقبولين عندك، مطمئنين بذكرك في كل حين.
وتقبّل الله منا ومنكم… وجعل العيد بشارة قبول، لا ختام موسم.

وكل عام وأنتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى