
وهج الحروف
الشرف والدم… ماتوا لنحيا !!
عندما ذهبتُ لإستاد الخرطوم يوم مباراة الهلال والمريخ بدا الأمرُ غريباً جداً.. أتفحَّصُ الشوارع بعناية بالغة ودهشة ظاهرة ، أرمقُ بطرفي كل الشوارع حوله، حوش النيلين وكبري توتي وبدايات شارع الغابة .
كنت أمشي في الشوارع المحيطة بالإستاد وأنا أتلفت حولي بطريقة تثير الغريبة ، لو رآني شرطي لربما أحالني للتحري بتهمة الإشتباه .
أنظر إلى المباني والأشجار والطرقات كما ينظر شخص عاد لتوه من رحلة إلى كوكب آخر ، الجماهير تتدفق نحو البوابات، الهلالاب يهددون المريخاب بمصير مجهول ، والمريخاب يردون بتهديدات أكثر غموضاً…الزحام المحبب ذاك أمام البوابات، الإبتسامات الظاهرة ، والضحكات العالية .
الباعة يبيعون الماء البارد بسعر يجعلك تشعر أن الحرب لم تنتهِ تماماً، الشمس فوق الجميع تمارس هوايتها القديمة في التعذيب .
أُطالع جهة الجنوب، أنظر لبوابة الوحدة العسكرية “إدارة المرافق الإستراتيجية” . نظرةٌ ظننتها واحدةً ستكون وأنصرِف لحال سبيلي لأدخل الإستاد لكن النظرة تأتي بشريط من الذكريات لا يعرف التوقف ، الذاكرة لا تحتاج إلى أبوابٍ كثيرة بابٌ واحد يكفي ، نظرةٌ واحدة تفي بالغرض…
فجأة عاد كل شيء ، عاد التعب، وعادت لأنفي الرائحة القديمة للتراب والدخان .
عادت الوجوه ، وجوه الذين كانوا يملؤون المكان حياةً ثم مضوا وتركوا لنا ذكرياتهم وأسماءهم.
تذكَّرتُ أولَّ أيام الحرب ، عندما كُنا نفرح بدخول أطراف السوق العربي وتمشيطه، الوصول لحوش جامعة النيلين كان محاولة إنتحار لا أكثر ، أما كبري توتي وكورنثيا فهذه يُمكنك أن ( تُملِّي) عيونك بها من على البُعد فقط ، ولا تحاول تمليتها كثيراً.. في الغالب ستجد رصاصة تستقبل أحشائك بكُل ترحاب ، كنتُ واقفاً مرة أمام شجر الإستراتيجية البارد ، شجر له ظلٌ يمكن وصفه بالحنين.. مع جلوسي أخطأت راسي رصاصة القناص الذي كان يُطل من عمارة التأمينات.. فكما يقول العزيز ود الجاك :
“عندك باقي جرامات عدس في رزقك ما كملتها”.. وكان على العدس أن ينتظر .
الملازم الشهيد “صديق” يدك معسكر العدو المجاور بدبابته ويساويه بالأرض ثم يمضي في هدوء ، كأن ما فعله لا يستحق الحديث عنه.
النقيب الشهيد مجاهد الأمين حاملاً مفتاح صيانة الدبابة في يده وفي الأُخرى كلاشه ، بفانيلة بالية وبنطلون كاكي شبه باهت ، بطوله الفارع وصوته الجهور يصرخ في بعض العساكر بعد أن أفرغوا ذخائرهم في الهواء تعبيراً عن فرحتهم بصد الهجوم من جهة إستاد الخرطوم ذاته الذي يحتفل أمامه الناس بجنون .
“الذخيرة دي لاقنها واقعة نحنا ؟ مجازفات مجازفنها ليكم ، وتضربو بيها الهواء كمان ، بلاش كلام فارغ” .
هكذا يصيح ويمتثلون لأمره ثُم يمضي ، يمضي في هدوء ٍ يشبهه إلى الدار الآخرة.
عساكرٌ بأعمارٍ لا تتجاوز العشرين يتسللون ليلاً لعمارات السوق العربي ويقومون باللازم بالسوانكي ثم ينصرفون.. يتقدمهم ملازمون شطة وملازمي أوائل ونُقباء ويدلفون إلى زقاقات الخرطوم ليلاً في ساعات الذئب . الساعةُ التي يملأك فيها الإكتئاب وتأتي فيها الجلطات والذبحات .
بعض الناس كانوا يولدون قادة ، وبعضهم يولدون رجالاً صالحين.. وقليلون فقط كانوا الأمرين معاً، ثم رحلوا مبكراً كالعادة…
“الليلة أجهزو للبل يا هلالاب”
هكذا صاح لي أحد المشجعين وقطع شريط ذكرياتي الذي كان يمكن أن يطول أكثر . ألتفت إليه قائلاً ساخراَ :
“يا الحمراء، ديك النقعة وخيل الهجعة”
لم أحضر طوال عمري مباراة قمة في الإستاد ولا أجد متعةً كنتُ في ذلك ، قبل الحرب أجلس في ديوان العم “حمزة” في الحي، أستمتع بنسمات المكيف والمروحة ، أظفر بإعادة اللقطات ، أُجادلُ في سخرية دعاوي التسلل ونُحاكم الحكم غيابياً بالإرتشاء…
هذه المرة أصريتُ على الحضور من قلب الإستاد، يبدو أن اللحظات التي يُدفع فيها ثمنٌ باهظ تُعرف قيمتها ، دُفعت أرواح غالية ونفوسٌ زاكية دون منٍّ أو أذى…
الناسُ تتدافع وتزداد ، تعلو الضحكات الساخرة والشغب الذي يملأ الملاعب…
كُلُّ هذا أُشاهده بفرح بالغ، أسال نفسي :
“كُنا وين وبقينا وين؟؟ “…
المكان نفسه، الإستاد نفسه ، الشوارع نفسها.. لكننا لم نكن الأشخاص أنفسهم.. بعض الذين فتحوا لنا الطريق إلى هذه المباراة لم يجلسوا اليوم في المدرجات .
تركوا لنا المقاعد، وأخذوا أماكنهم في الذاكرة…
قبل سنوات قليلة كان أقصى طموحنا أن نعبر هذه المنطقة ونعود أحياء ، اليوم يتشاجر الناس حول ضربة جزاء وراية التسلل المرفوعة…
تأملتُ المشهد جيداً، وجدتُ نفسي أحتضن شخصاً لا أعرفه بعد هدف الهلال.. وسألتُ نفسي:
“كُنَّا وين؟ وبقينا وين؟”
حيَّا الله الرجال وتقبل شهداءهم وشفى جراحهم ، من يهبون الحياة بالرحيل منها…
كُنَّا_ويين
محمد ناني
تعليق :_
كان المهر غالياً والثمن باهظاً لطرد الأوباش وتطهير الخرطوم وتحرير الأرض وتمهيدها لعودة المواطنين وتطبيع الحياة… دماء غالية روت الأديم لتغسل رجس الغزاة . ارتقت الأرواح الغالية في حواصل طير خضر وزفتها الملائكة إلى أعلى الجنان ، لولاها بعد فضل الله لما رجعت الخرطوم وكل بقاع الوسط وبعض كردفان ، لولاهم لما اكتحلت العيون برؤية الهلال والمريخ وعايشت النخبة بإستادات العاصمة المختلفة .
اللهم تقبلهم عندك في عليين في مقاعد الصدق والغرفات العالية ، واحفظ المقاتلين بمتحركات الكرامة بكل بمسمياتهم تحت راية القوات المسلحة السودانية ، اللهم أشفي الجرحى وفك قيد المأسورين .
والشكر لمنظومة الصناعات الدفاعية… فخر السودان وجبل الثبات التي هيأت للعودة في مجالات مختلفة وآخرها استاد الخرطوم .








