
سارة الطيب تكتب :ألف يوم من الحرب في السودان… وما زلنا هنا
ألفُ يومٍ مرّت… ولم تمرّ.
مرّت على التقويم، نعم، لكنها علِقت في الصدور، وتكدّست في العيون، وسكنت تحت الجلد كوجعٍ مزمن لا يبرأ.
في هذه الحرب، لم نعد نعدّ الأيام، بل الخسارات. لم نعد نسأل: أيُّ يومٍ هذا؟ بل: من الذي غاب اليوم؟ أيُّ بيتٍ سقط؟ وأيُّ حلمٍ انكسر في صمت؟
صار الصباح بلا وعد، والمساء بلا راحة، والليل مساحة مفتوحة للقلق والترقّب. تشابهت الأيام حتى غدت يومًا واحدًا طويلًا، ثقيلًا، اسمه: الحرب.
هذه لم تكن حربًا عادية. لقد دخلت تفاصيل حياتنا، زاحمتنا في نومنا، وفي دعواتنا، وفي ضحكاتنا التي صارت حذرة كأن الفرح تهمة.
تعلّمنا الخوف البطيء، الذي لا يصرخ، بل يضغط على الصدر حتى يعلّمك كيف تتنفس بحذر. خوفٌ من القادم، ومن اللا-قادم، ومن أن يطول هذا الليل حتى ننسى شكل الصباح.
وفي الجهة الأخرى، وقف الأمل… مؤجّلًا. لا غائبًا ولا حيًّا تمامًا، معلّقًا بين السماء والأرض. نراه، ولا نلمسه. نخاف عليه من الانكسار، فنؤجّله كما تؤجَّل الأحلام في زمن الخراب.
كبر الأطفال قبل أوانهم، وشاخ الآباء وهم واقفون، وتعبت الأمهات من عدّ الغائبين في الصور. البيوت لم تعد بيوتًا، بل ذكريات، والمدن صارت تُنطق بحذر، كأنها قد تبكي.
في ألف يوم، لم تسرق هذه الحرب الأرض وحدها، بل سرقت الإيقاع الداخلي لأرواحنا. سرقت قدرتنا على الإحساس بالزمن. صرنا نعيش خارج الأيام، ننتظر نهاية لا تأتي، ونخاف من اعتياد الوجع أكثر من الوجع نفسه.
ومع ذلك… لم ننكسر.
هذه الحرب جاءت وهي تظن أن السودان هشّ، سهل الكسر، سهل التفتيت. لكنها اصطدمت بشعبٍ عنيد، يعرف كيف يقف حتى وهو مكسور، وكيف يتكئ على بعضه ليصنع من الصبر وطنًا مؤقتًا.
ألف يوم من القتل والنهب والتشريد والاغتصاب والتآمر، لكن المؤامرة لم تنتصر. تكسرّت على صخرة هذا الشعب، وعلى إيمانه، وعلى قدرته الغريبة على النهوض من تحت الركام.
اليوم، بعد ألف يوم، نحن لا نرثي رقمًا، بل نرثي شعورًا كاملًا ضاع منا: شعور أن الغد مضمون، وأن الحياة بسيطة، وأن الأمان حقٌّ لا يُفاوض عليه.
ومع ذلك… ما زلنا هنا.
مُتعبين، نعم. مكسورين، نعم. لكننا لسنا مهزومين.
نحب هذا الوطن كما يحبه المنهكون: بحبٍّ موجوع، وصادق، ويعرف أن الحرب قد تطول، لكنها لا تملك الكلمة الأخيرة.
الكلمة الأخيرة… للشعوب.







